ما كدنا نطوي الأيام الثلاثة التي خيّم فيها الحزن على اليمن برحيل الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، حتى داهمتنا الأنباء بترجّل فارسٍ آخر من فرسان اليمن الكبار، وأحد رجالاتها الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة النضال الوطني وبناء الدولة: المناضل الوطني الأستاذ أنيس حسن يحيى عوض.
كأن هذا الوطن المكدود كُتب عليه، وهو لا يزال يئنّ تحت وطأة الانقلاب والحرب والتشظّي، أن يودّع رجاله واحدًا تلو الآخر، فيما المشروع الذي هندسه ملالي إيران لا يكتفي بتمزيق اليمنيين وقلب حياتهم رأسًا على عقب، بل يشارك أيضًا في إرباك أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي والسلم الدولي.
يرحل أنيس حسن يحيى في لحظة يمنية شديدة القسوة، لحظة تختلط فيها خيبة الحاضر بثقل الذاكرة، ويغدو رحيل الرجال الكبار أشبه بانطفاء محطات مضيئة من تاريخ طويل من الأحلام والتضحيات والإيمان العميق بفكرة الوطن.
ورغم أن خالي الفريق محمد قائد سيف زامله في "مدرسة الـرزيدنسي" Residency School بعدن في أواخر أربعينيات القرن الماضي، إلى جانب أسماء وطنية بارزة مثل فيصل عبداللطيف الشعبي وعبدالله الأصنج ومحمد سالم باسندوة، إلا أنني لم ألتقِ بالأستاذ أنيس شخصيًا إلاّ في مطلع السبعينيات، عندما كنت طالبًا في المرحلة الثانوية بمدرسة "فيكتوريا كوليج" بالإسكندرية، خلال زيارة قصيرة له إلى لؤلؤة البحر الأبيض المتوسط.
غير أن المعرفة العابرة تحوّلت لاحقًا إلى معرفة أوثق وأعمق، خصوصًا بعد أن تقلّد مواقع عليا في دولة الجنوب، وأثناء زياراته المتكررة إلى أوروبا ولندن، حيث كنت أتابع دراستي هناك. وكان الرجل، في كل لقاء، يترك ذلك الانطباع النادر الذي لا تصنعه المناصب بقدر ما تصنعه التجارب العميقة والالتزام الصادق بقضايا الناس والوطن.
لقد كان أنيس حسن يحيى واحدًا من أبناء الجيل الذي حمل اليمن في سنواته العصيبة على أكتافه، وآمن بأن النضال ليس مجرد شعار عابر، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية. جيلٌ لم يكن يبحث عن المجد الشخصي بقدر ما كان يبحث عن معنى للدولة، وعن وطن يتّسع لأحلام أبنائه.
وكان، شأن كثير من رجالات تلك المرحلة، ابنًا لفكرة أكبر من الحسابات الضيقة؛ فكرة الدولة الوطنية التي تُبنى بالمؤسسات لا بالغلبة، وبالمشاركة لا بالإقصاء، وبالإيمان بالمستقبل لا بالارتهان للأحقاد والثأرات الصغيرة.
لقد رحل الرجل جسدًا، لكن أمثال أنيس حسن يحيى لا يغيبون تمامًا. فهم يبقون في ذاكرة الوطن، وفي وجدان من عرفوهم، وفي تلك المساحات الخفية من التاريخ التي لا تكتبها الضوضاء، بل يكتبها الرجال الذين عاشوا لقضية عامة أكبر من ذواتهم.
وفي لحظات كهذه، يدرك الإنسان أن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل أيضًا بسِيَر رجالها المخلصين، وأن بعض الأسماء تتحوّل مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الوطنية نفسها، مهما غيّبها الموت.
إن رحيل الأستاذ أنيس حسن يحيى ليس خسارة لعائلته ومحبيه فحسب، بل خسارة لوطن بأكمله يفقد واحدًا من رجاله الذين قدّموا سنوات عمرهم خدمةً لقضايا شعبهم، وتركوا أثرًا في الحياة الوطنية والسياسية والفكرية.
رحم الله المناضل الوطني الكبير الأستاذ أنيس حسن يحيى، الذي ترجل جسدًا بعد رحلة طويلة من النضال والعمل الوطني، فيما ستظل سيرته حيّة في ذاكرة الوطن ووجدان محبيه.
وصادق العزاء وعميق المواساة إلى زوجته الفاضلة الأستاذة أمّ الخير أحمد حيدرة، وإلى ابنته الدكتورة غادة، ونجله باسل، وإلى أسرتي حسن يحيى وأحمد حيدرة كافة، وإلى رفاق دربه وكل من عرف هذا الرجل النبيل عن قرب.
نسأل الله تعالى أن يتغمّده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يحسن مثواه، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
وعظّم الله أجر الجميع،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



















