> «الأيام» الجزيرة:
مريم سالمين تسأل عن اسم الدواء بقدر ما تسأل عن ثمنه. داخل مسكنها المتواضع في مدينة عدن جنوبي اليمن، تحمل المرأة الخمسينية كيسا صغيرا من مسحوق الأعشاب وكوبا تخلطه فيه بالماء، بعدما عجزت عن شراء أدوية الضغط والكلى التي تحتاجها، إلى جانب أدوية زوجها المصاب بالسكري والربو والتهابات مزمنة في الصدر.
لا ترى مريم في الأعشاب شفاء مضمونا، لكنها تعتبرها ما تبقى حين يصبح الدواء خارج قدرة الأسرة. تقول للجزيرة نت: "لم نعد نستطيع شراء الأدوية، فلجأنا إلى الأعشاب"، في جملة تختصر كيف يدفع الفقر المرضى إلى بدائل اضطرارية.
نزحت مريم من الحديدة إلى عدن عام 2019 مع أسرتها المكونة من 7 أفراد. لسنوات، كانت تحصل على مساعدة نقدية شهرية من برنامج الأغذية العالمي بنحو 100 ألف ريال يمني (نحو 64 دولارا). لم تكن تكفي لكل شيء، لكنها كانت تمسك حياة الأسرة بخيط رفيع: جزء للغذاء، جزء للدواء، وما يتبقى لتكاليف الدراسة.
كانت بطاقة المساعدة تُرهن لدى البقالة مقابل الدقيق والطعام، ثم تسدد الأسرة الدين حين يصل المبلغ. بعد توقف المساعدة انقطع هذا الخيط، تقول مريم إنهم لم يعودوا يجدون ما يكفي للطعام، فضلا عن العلاج والتعليم، ثم تعلق بحسرة:"لو أنهم خفضوا المبلغ كان أفضل من قطعه بالكامل".
من بين 5774 أسرة نازحة مسجلة في هذه المواقع، استُبعدت 3192 أسرة من مساعدات برنامج الأغذية العالمي -أي نحو 55 % من الأسر- في حين لم تتجاوز نسبة التغطية 42 %.
ويقدّر التقرير عدد الأفراد المتضررين بأكثر من 22 ألف شخص، محذرًا من أن حرمان هذا العدد من الغذاء -وسط أزمة اقتصادية خانقة وموسم صيف قاس- قد يرفع معدلات سوء التغذية الحاد خلال أشهر قليلة.
هذه الأرقام لا تصل إلى بيوت النازحين على شكل جداول، بل في صورة قرارات قاسية: دواء يُترك في الصيدلية، وطفل يخرج من المدرسة، ووجبة تُختصر إلى أرز بالماء.
زوج إسلام يعاني من حالة نفسية، وأحد أبنائها مصاب بالتهابات في الدم، بينما تعاني هي من الضغط. لكن كل هذه الاحتياجات تتراجع أمام سؤال واحد يتكرر كل صباح: هل يتوفر طعام اليوم؟ تبقى الحقيبة معلقة كأنها تذكير صامت بما كان ينبغي أن يكون، بينما يمضي الطفل يومه خارج الصف.
كانت تقترض المال لتوفير الطعام، لكن تراكم الديون أغلق هذا الباب. "بعض الأحيان لا نجد ما نأكله"، تقول عوضة، مضيفة أن أبناءها يخرجون لجمع الحطب وبيعه مقابل مبالغ زهيدة، وإن أحدهم أصيب بشوكة في يده تسببت له بتورم حاد لم تستطع الأسرة علاجه.
الوضع نفسه تقريبا يتكرر لدى أم نجيب عبده ياسين، النازحة إلى عدن منذ العام نفسه. تشير إلى طفلها نجيب (11 عاما) وهو يعود حاملا حزمة حطب، وتقول إنه يعمل يوميا منذ الصباح في جمع الحطب وبيعه بما "لا يسد رمق جوع العائلة".
كانت أسرتها المكونة من 8 أفراد تحصل على مساعدة نقدية شهرية بنحو 150 ألف ريال (نحو 94 دولارا)، قبل أن يتوقف هذا الدعم، مع زوج مصاب بعيار طائش في يده، وطفل يعاني من انسداد في المريء لا تملك الأسرة كلفة علاجه.
في هذه البيوت، لا يعود السؤال عن التعليم فقط، بل عن الطفولة نفسها: ماذا يبقى منها حين يحمل الطفل الحطب بدل الدفتر، ويعود من يومه الصغير بإصابة لا تجد أسرته ثمن علاجها؟.
في غرفة محاطة بصفائح معدنية، تقف أم إبراهيم قرب سرير صغير وضعَت عليه أوراقا طبية وعبوات دواء تخص طفلها الذي يعاني من ضمور وتشنجات. جاءت الأسرة من محافظة أبين إلى عدن بحثا عن علاج، لكن الزوج عاطل عن العمل والأسرة لا تحصل على أي مساعدات.
على الفراش يستلقي إبراهيم، بينما تقول والدته إن المشكلة لم تعد في المرض وحده، بل في كلفة الفحوصات والدواء والتنقل إلى المستشفى. كل وصفة جديدة تعني سؤالا جديدا عن ثمنها.
ولا تختلف صورة أم أحمد كثيرا؛ فقد نزحت من الحديدة إلى عدن عام 2018، وتقول إنها تعرضت لكسرين في الورك وتعاني من الضغط والقلب، بينما يرقد زوجها في العناية المركزة إثر ذبحة صدرية. تقول إنها لا تستطيع توفير الأدوية لها ولزوجها، وتكتفي بمراقبة الألم وهو يتصاعد كلما نفدت الجرعة.
في مثل هذه البيوت، لا يقاس المرض بنتائج الفحوصات فقط، بل بعدد علب الدواء التي تستطيع الأسرة شراؤها، وبالأيام التي تمر بلا علاج، وبالديون التي تتراكم مع كل ألم جديد.
يقول إن المساعدات الإنسانية خصوصا السلال الغذائية والدعم النقدي كان يفترض أن تكون جسرا مؤقتا، لكنها استمرت منذ عام 2015، مما خلق حالة من الاعتماد لدى بعض الأسر النازحة. في المقابل، لم يُستثمر بما يكفي في التمكين الاقتصادي ودعم المهارات الحرفية وتشغيل النساء، والمشاريع الزراعية التي يمكن أن تمنح الأسر دخلا مستقلا.
ويشير إلى أن اليمن شهد بين 2015 و2024 إنفاقا يقترب من 30 مليار دولار في مجال العمل الإنساني -وفق بيانات رسمية- غير أن أثر هذا الإنفاق لم ينعكس بالمستوى المأمول على إنهاء حالة النزوح أو تقليص الاعتماد على المساعدات، بسبب استمرار التعامل مع الأزمة بمنطق الطوارئ بدل الانتقال إلى حلول أكثر استدامة.
"النجاح الحقيقي"، كما يقول، "كان يجب أن يُقاس بعدد الأسر التي عادت أو اندمجت، لا بعدد السلال التي توزع كل شهر".
لكن في حياة مريم وإسلام وعوضة وأم إبراهيم، لا تحتاج هذه المؤشرات إلى كثير من الشرح؛ فهي تظهر في علبة دواء لا تُشترى وحقيبة مدرسية معلقة وطفل يجمع الحطب ووجبة أرز بالماء حين يتوفر شيء من المال.
في نهاية حديثها، تنظر مريم إلى ما تبقى من خيارات في بيتها: أبناء خارج المدرسة، بعضهم يجمع الحطب والعلب الفارغة، زوج يحتاج إلى علاج، أم لا تجد ثمن دوائها، وطعام ليس مضمونا كل يوم.
لا تبدو حكايتها وحكايات الأسر الأخرى مجرد أثر لتراجع مساعدة شهرية، بل صورة لحياة تُدار كل صباح بحسابات قاسية: من يذهب إلى المدرسة؟ من ينتظر الدواء؟ ومن يكتفي بوجبة ناقصة؟.
لا ترى مريم في الأعشاب شفاء مضمونا، لكنها تعتبرها ما تبقى حين يصبح الدواء خارج قدرة الأسرة. تقول للجزيرة نت: "لم نعد نستطيع شراء الأدوية، فلجأنا إلى الأعشاب"، في جملة تختصر كيف يدفع الفقر المرضى إلى بدائل اضطرارية.
نزحت مريم من الحديدة إلى عدن عام 2019 مع أسرتها المكونة من 7 أفراد. لسنوات، كانت تحصل على مساعدة نقدية شهرية من برنامج الأغذية العالمي بنحو 100 ألف ريال يمني (نحو 64 دولارا). لم تكن تكفي لكل شيء، لكنها كانت تمسك حياة الأسرة بخيط رفيع: جزء للغذاء، جزء للدواء، وما يتبقى لتكاليف الدراسة.
كانت بطاقة المساعدة تُرهن لدى البقالة مقابل الدقيق والطعام، ثم تسدد الأسرة الدين حين يصل المبلغ. بعد توقف المساعدة انقطع هذا الخيط، تقول مريم إنهم لم يعودوا يجدون ما يكفي للطعام، فضلا عن العلاج والتعليم، ثم تعلق بحسرة:"لو أنهم خفضوا المبلغ كان أفضل من قطعه بالكامل".
- فجوة المساعدات.. أسر خارج القوائم
من بين 5774 أسرة نازحة مسجلة في هذه المواقع، استُبعدت 3192 أسرة من مساعدات برنامج الأغذية العالمي -أي نحو 55 % من الأسر- في حين لم تتجاوز نسبة التغطية 42 %.
ويقدّر التقرير عدد الأفراد المتضررين بأكثر من 22 ألف شخص، محذرًا من أن حرمان هذا العدد من الغذاء -وسط أزمة اقتصادية خانقة وموسم صيف قاس- قد يرفع معدلات سوء التغذية الحاد خلال أشهر قليلة.
هذه الأرقام لا تصل إلى بيوت النازحين على شكل جداول، بل في صورة قرارات قاسية: دواء يُترك في الصيدلية، وطفل يخرج من المدرسة، ووجبة تُختصر إلى أرز بالماء.
- المدرسة خارج الحساب
زوج إسلام يعاني من حالة نفسية، وأحد أبنائها مصاب بالتهابات في الدم، بينما تعاني هي من الضغط. لكن كل هذه الاحتياجات تتراجع أمام سؤال واحد يتكرر كل صباح: هل يتوفر طعام اليوم؟ تبقى الحقيبة معلقة كأنها تذكير صامت بما كان ينبغي أن يكون، بينما يمضي الطفل يومه خارج الصف.
- أطفال يحملون الحطب بدل الدفاتر
كانت تقترض المال لتوفير الطعام، لكن تراكم الديون أغلق هذا الباب. "بعض الأحيان لا نجد ما نأكله"، تقول عوضة، مضيفة أن أبناءها يخرجون لجمع الحطب وبيعه مقابل مبالغ زهيدة، وإن أحدهم أصيب بشوكة في يده تسببت له بتورم حاد لم تستطع الأسرة علاجه.
الوضع نفسه تقريبا يتكرر لدى أم نجيب عبده ياسين، النازحة إلى عدن منذ العام نفسه. تشير إلى طفلها نجيب (11 عاما) وهو يعود حاملا حزمة حطب، وتقول إنه يعمل يوميا منذ الصباح في جمع الحطب وبيعه بما "لا يسد رمق جوع العائلة".
كانت أسرتها المكونة من 8 أفراد تحصل على مساعدة نقدية شهرية بنحو 150 ألف ريال (نحو 94 دولارا)، قبل أن يتوقف هذا الدعم، مع زوج مصاب بعيار طائش في يده، وطفل يعاني من انسداد في المريء لا تملك الأسرة كلفة علاجه.
في هذه البيوت، لا يعود السؤال عن التعليم فقط، بل عن الطفولة نفسها: ماذا يبقى منها حين يحمل الطفل الحطب بدل الدفتر، ويعود من يومه الصغير بإصابة لا تجد أسرته ثمن علاجها؟.
- الدواء أم الطعام؟
في غرفة محاطة بصفائح معدنية، تقف أم إبراهيم قرب سرير صغير وضعَت عليه أوراقا طبية وعبوات دواء تخص طفلها الذي يعاني من ضمور وتشنجات. جاءت الأسرة من محافظة أبين إلى عدن بحثا عن علاج، لكن الزوج عاطل عن العمل والأسرة لا تحصل على أي مساعدات.
على الفراش يستلقي إبراهيم، بينما تقول والدته إن المشكلة لم تعد في المرض وحده، بل في كلفة الفحوصات والدواء والتنقل إلى المستشفى. كل وصفة جديدة تعني سؤالا جديدا عن ثمنها.
ولا تختلف صورة أم أحمد كثيرا؛ فقد نزحت من الحديدة إلى عدن عام 2018، وتقول إنها تعرضت لكسرين في الورك وتعاني من الضغط والقلب، بينما يرقد زوجها في العناية المركزة إثر ذبحة صدرية. تقول إنها لا تستطيع توفير الأدوية لها ولزوجها، وتكتفي بمراقبة الألم وهو يتصاعد كلما نفدت الجرعة.
في مثل هذه البيوت، لا يقاس المرض بنتائج الفحوصات فقط، بل بعدد علب الدواء التي تستطيع الأسرة شراؤها، وبالأيام التي تمر بلا علاج، وبالديون التي تتراكم مع كل ألم جديد.
- فخ الإغاثة الطارئة
يقول إن المساعدات الإنسانية خصوصا السلال الغذائية والدعم النقدي كان يفترض أن تكون جسرا مؤقتا، لكنها استمرت منذ عام 2015، مما خلق حالة من الاعتماد لدى بعض الأسر النازحة. في المقابل، لم يُستثمر بما يكفي في التمكين الاقتصادي ودعم المهارات الحرفية وتشغيل النساء، والمشاريع الزراعية التي يمكن أن تمنح الأسر دخلا مستقلا.
ويشير إلى أن اليمن شهد بين 2015 و2024 إنفاقا يقترب من 30 مليار دولار في مجال العمل الإنساني -وفق بيانات رسمية- غير أن أثر هذا الإنفاق لم ينعكس بالمستوى المأمول على إنهاء حالة النزوح أو تقليص الاعتماد على المساعدات، بسبب استمرار التعامل مع الأزمة بمنطق الطوارئ بدل الانتقال إلى حلول أكثر استدامة.
"النجاح الحقيقي"، كما يقول، "كان يجب أن يُقاس بعدد الأسر التي عادت أو اندمجت، لا بعدد السلال التي توزع كل شهر".
- أرقام الجوع.. وسؤال اليوم
لكن في حياة مريم وإسلام وعوضة وأم إبراهيم، لا تحتاج هذه المؤشرات إلى كثير من الشرح؛ فهي تظهر في علبة دواء لا تُشترى وحقيبة مدرسية معلقة وطفل يجمع الحطب ووجبة أرز بالماء حين يتوفر شيء من المال.
في نهاية حديثها، تنظر مريم إلى ما تبقى من خيارات في بيتها: أبناء خارج المدرسة، بعضهم يجمع الحطب والعلب الفارغة، زوج يحتاج إلى علاج، أم لا تجد ثمن دوائها، وطعام ليس مضمونا كل يوم.
لا تبدو حكايتها وحكايات الأسر الأخرى مجرد أثر لتراجع مساعدة شهرية، بل صورة لحياة تُدار كل صباح بحسابات قاسية: من يذهب إلى المدرسة؟ من ينتظر الدواء؟ ومن يكتفي بوجبة ناقصة؟.
















