> الدوحة «الأيام» وكالات:
مع انطلاق صافرة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لم يعد الحديث يدور فقط حول المنافسات الكروية والنجوم اللامعين، بل برزت ظاهرة لافتة ومثيرة للاهتمام: عودة قوية للحنين إلى تجربة قطر 2022. البطولة التي وُجهت إليها انتقادات حادة قبل أربع سنوات تحولت اليوم إلى معيار ذهبي يُقاس به النجاح التنظيمي والتجربة الجماهيرية.
كيف حدث هذا التحول الدراماتيكي؟ ولماذا يجد المشجعون والإعلاميون أنفسهم يستحضرون ذكريات الدوحة والملاعب المتلألئة بينما يواجهون واقعًا معقدًا ومليئًا بالتحديات في أمريكا الشمالية؟
في قلب هذا الحنين تكمن مفارقة تاريخية: مونديال قطر، الذي كان يُنظر إليه من بعض الجهات كتجربة محفوفة بالمخاطر بسبب حجمه الصغير وموقعه في الخليج، أثبت أنه نموذج فريد من الراحة والكفاءة والانسجام.
أما مونديال 2026، الذي وُصف بـ"الأكبر والأكثر شمولًا"، فيواجه انتقادات متتالية على كل المستويات، من اللوجستيات إلى الأمن، مرورًا بالسياسة والتكاليف. هذا التباين ليس مجرد صدفة، بل نتيجة لاختلاف جذري في الرؤية والتنفيذ.
وتستضيف الولايات المتحدة الأمريكية الجزء الأكبر من البطولة، حيث تحتضن 78 مباراة من أصل 104، أي نحو 75 % من البرنامج الكلي. ورغم أن الملف مشترك مع كندا والمكسيك، إلا أن العبء الرئيسي يقع على كاهل أمريكا. هذا الانتشار الجغرافي الواسع عبر ثلاث دول و16 مدينة وأربع مناطق زمنية يمثل تحديًا لوجستيًا غير مسبوق.
في المقابل، كانت قطر 2022 بطولة "مدينة واحدة تقريبًا". ثمانية ملاعب حديثة متصلة بشبكة نقل متطورة، ومعظمها لا يبعد أكثر من ساعة واحدة عن بعضه ، سمح هذا التصميم المدمج للمشجعين بحضور مباراتين أو ثلاث في اليوم الواحد دون عناء، بل وخلق أجواء احتفالية مستمرة حيث كانت الجماهير من كل أصقاع العالم تلتقي في الأسواق والميادين والمترو.
أما في 2026، فإن متابعة منتخبك قد يتطلب قطع آلاف الكيلومترات، رحلات جوية متكررة، وتغييرات زمنية مرهقة، مما يحول التجربة من احتفال إلى كابوس لوجستي.
هذا التباين الجغرافي ليس تفصيلًا ثانويًا ، إنه قلب التجربة الجماهيرية ، في قطر، شعر الجميع بأنهم يعيشون الحدث نفسه في مكان واحد. أما في أمريكا الشمالية، فكل مدينة تعيش أجواءها الخاصة، والتواصل بين المشجعين أصبح افتراضيًا أكثر منه واقعيًا.
منذ وصول البعثات الأولى، بدأت سلسلة من الحوادث تكشف عن هشاشة التنظيم. تلقى منتخبا النرويج وسويسرا تحذيرات رسمية بشأن وجود أفاعٍ سامة قرب معسكراتهما.
وتعرض المنتخب الإنجليزي لحادث إطلاق نار قرب فندقه، وهو أمر شائع في الولايات المتحدة حيث تتجاوز الوفيات الناتجة عن الأسلحة النارية 40 ألف حالة سنويًا.
كما سُجلت حالات سرقة معدات تدريبية للمنتخب الإنجليزي أثناء النقل بين المدن، شملت أحذية خاصة بنجوم مثل هاري كين وجود بيلينجهام، وأجهزة تحليل فنية. هذه الحوادث أعادت فتح ملف الأمن بقوة، خاصة مع انتشار الشكاوى من إجراءات التفتيش الطويلة والمرهقة.
أما في قطر 2022، فقد تميزت البطولة بمستوى أمني استثنائي دون حوادث بارزة، مع شعور عام بالأمان والراحة في كل مكان. التنظيم المركزي سمح بتركيز الجهود الأمنية والخدمية في منطقة جغرافية محدودة، مما أدى إلى كفاءة عالية.
وتُعد مشكلة التأشيرات من أكبر التحديات التي تهدد مبدأ "كأس العالم للجميع" الذي روّج له الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ورفضت السلطات الأمريكية تأشيرات لعدد من أفراد بعثة المنتخب الإيراني، مما اضطر الوفد إلى الإقامة في تيخوانا المكسيكية، مع السماح بدخول محدود يوم المباراة فقط. هذا القرار يمثل انتهاكًا واضحًا لتكافؤ الفرص، إذ يعرض اللاعبين لإرهاق شديد.
كما واجه لاعبو المنتخب العراقي، مثل أيمن حسين، تحقيقات مطولة وتفتيشًا للهواتف، وتم ترحيل مصور المنتخب رغم التأشيرة السارية.
وحُرم الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من المشاركة. هذه الحالات تعكس تأثير السياسات الخارجية، خاصة تحت شعار "أمريكا أولاً"، على الحدث الرياضي.
في قطر، كان الترحيب شاملاً وخاليًا من مثل هذه التعقيدات السياسية. فُتحت الأبواب أمام الجميع، وشعر المشجعون من كل الجنسيات بأنهم ضيوف مُكرمون دون تمييز.
وارتفعت أسعار التذاكر بشكل دراماتيكي. أرخص تذكرة في الفئة الرابعة بلغت 60 دولارًا، مقارنة بـ11 دولارًا في قطر، أي زيادة تصل إلى 445%. أما تذكرة الافتتاحية فوصلت إلى 560 دولارًا.
وواجه نظام "التسعير الديناميكي" انتقادات حادة من منظمات المشجعين الأوروبية، التي قدمت شكوى رسمية إلى المفوضية الأوروبية.
كذلك، أثارت "استراحات التبريد" الجديدة غضبًا جماهيريًا، إذ تحولت إلى فرص إعلانية إضافية، مما أدى في بعض الحالات إلى انقطاع البث عن المتابعين أثناء استئناف اللعب.
أما في قطر، فقد كانت التكاليف أكثر معقولية نسبيًا، والأجواء أكثر تركيزًا على الكرة والمتعة دون إفراط تجاري واضح.
ورغم كل الانتقادات المسبقة، نجحت قطر في تقديم بطولة مترابطة، مريحة، وممتعة. أثبتت أن الصغر الجغرافي يمكن أن يكون ميزة، لا عيبًا. اليوم، بعد مواجهة تعقيدات 2026، أصبحت هذه التجربة مصدر إلهام ومقارنة إيجابية.
الحنين إلى قطر لا يعني رفض التنوع الثقافي الذي تقدمه نسخة 2026، بل يعكس رغبة المشجع في تجربة كروية نقية، مريحة، وشاملة حقًا. إنه تذكير بأن النجاح الحقيقي لمونديال كرة القدم لا يُقاس بعدد الدول أو حجم السوق، بل بقدرته على جمع الناس في تجربة إنسانية موحدة.
كيف حدث هذا التحول الدراماتيكي؟ ولماذا يجد المشجعون والإعلاميون أنفسهم يستحضرون ذكريات الدوحة والملاعب المتلألئة بينما يواجهون واقعًا معقدًا ومليئًا بالتحديات في أمريكا الشمالية؟
في قلب هذا الحنين تكمن مفارقة تاريخية: مونديال قطر، الذي كان يُنظر إليه من بعض الجهات كتجربة محفوفة بالمخاطر بسبب حجمه الصغير وموقعه في الخليج، أثبت أنه نموذج فريد من الراحة والكفاءة والانسجام.
أما مونديال 2026، الذي وُصف بـ"الأكبر والأكثر شمولًا"، فيواجه انتقادات متتالية على كل المستويات، من اللوجستيات إلى الأمن، مرورًا بالسياسة والتكاليف. هذا التباين ليس مجرد صدفة، بل نتيجة لاختلاف جذري في الرؤية والتنفيذ.
وتستضيف الولايات المتحدة الأمريكية الجزء الأكبر من البطولة، حيث تحتضن 78 مباراة من أصل 104، أي نحو 75 % من البرنامج الكلي. ورغم أن الملف مشترك مع كندا والمكسيك، إلا أن العبء الرئيسي يقع على كاهل أمريكا. هذا الانتشار الجغرافي الواسع عبر ثلاث دول و16 مدينة وأربع مناطق زمنية يمثل تحديًا لوجستيًا غير مسبوق.
في المقابل، كانت قطر 2022 بطولة "مدينة واحدة تقريبًا". ثمانية ملاعب حديثة متصلة بشبكة نقل متطورة، ومعظمها لا يبعد أكثر من ساعة واحدة عن بعضه ، سمح هذا التصميم المدمج للمشجعين بحضور مباراتين أو ثلاث في اليوم الواحد دون عناء، بل وخلق أجواء احتفالية مستمرة حيث كانت الجماهير من كل أصقاع العالم تلتقي في الأسواق والميادين والمترو.
أما في 2026، فإن متابعة منتخبك قد يتطلب قطع آلاف الكيلومترات، رحلات جوية متكررة، وتغييرات زمنية مرهقة، مما يحول التجربة من احتفال إلى كابوس لوجستي.
هذا التباين الجغرافي ليس تفصيلًا ثانويًا ، إنه قلب التجربة الجماهيرية ، في قطر، شعر الجميع بأنهم يعيشون الحدث نفسه في مكان واحد. أما في أمريكا الشمالية، فكل مدينة تعيش أجواءها الخاصة، والتواصل بين المشجعين أصبح افتراضيًا أكثر منه واقعيًا.
منذ وصول البعثات الأولى، بدأت سلسلة من الحوادث تكشف عن هشاشة التنظيم. تلقى منتخبا النرويج وسويسرا تحذيرات رسمية بشأن وجود أفاعٍ سامة قرب معسكراتهما.
وتعرض المنتخب الإنجليزي لحادث إطلاق نار قرب فندقه، وهو أمر شائع في الولايات المتحدة حيث تتجاوز الوفيات الناتجة عن الأسلحة النارية 40 ألف حالة سنويًا.
كما سُجلت حالات سرقة معدات تدريبية للمنتخب الإنجليزي أثناء النقل بين المدن، شملت أحذية خاصة بنجوم مثل هاري كين وجود بيلينجهام، وأجهزة تحليل فنية. هذه الحوادث أعادت فتح ملف الأمن بقوة، خاصة مع انتشار الشكاوى من إجراءات التفتيش الطويلة والمرهقة.
أما في قطر 2022، فقد تميزت البطولة بمستوى أمني استثنائي دون حوادث بارزة، مع شعور عام بالأمان والراحة في كل مكان. التنظيم المركزي سمح بتركيز الجهود الأمنية والخدمية في منطقة جغرافية محدودة، مما أدى إلى كفاءة عالية.
وتُعد مشكلة التأشيرات من أكبر التحديات التي تهدد مبدأ "كأس العالم للجميع" الذي روّج له الاتحاد الدولي لكرة القدم.
ورفضت السلطات الأمريكية تأشيرات لعدد من أفراد بعثة المنتخب الإيراني، مما اضطر الوفد إلى الإقامة في تيخوانا المكسيكية، مع السماح بدخول محدود يوم المباراة فقط. هذا القرار يمثل انتهاكًا واضحًا لتكافؤ الفرص، إذ يعرض اللاعبين لإرهاق شديد.
كما واجه لاعبو المنتخب العراقي، مثل أيمن حسين، تحقيقات مطولة وتفتيشًا للهواتف، وتم ترحيل مصور المنتخب رغم التأشيرة السارية.
وحُرم الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من المشاركة. هذه الحالات تعكس تأثير السياسات الخارجية، خاصة تحت شعار "أمريكا أولاً"، على الحدث الرياضي.
في قطر، كان الترحيب شاملاً وخاليًا من مثل هذه التعقيدات السياسية. فُتحت الأبواب أمام الجميع، وشعر المشجعون من كل الجنسيات بأنهم ضيوف مُكرمون دون تمييز.
وارتفعت أسعار التذاكر بشكل دراماتيكي. أرخص تذكرة في الفئة الرابعة بلغت 60 دولارًا، مقارنة بـ11 دولارًا في قطر، أي زيادة تصل إلى 445%. أما تذكرة الافتتاحية فوصلت إلى 560 دولارًا.
وواجه نظام "التسعير الديناميكي" انتقادات حادة من منظمات المشجعين الأوروبية، التي قدمت شكوى رسمية إلى المفوضية الأوروبية.
كذلك، أثارت "استراحات التبريد" الجديدة غضبًا جماهيريًا، إذ تحولت إلى فرص إعلانية إضافية، مما أدى في بعض الحالات إلى انقطاع البث عن المتابعين أثناء استئناف اللعب.
أما في قطر، فقد كانت التكاليف أكثر معقولية نسبيًا، والأجواء أكثر تركيزًا على الكرة والمتعة دون إفراط تجاري واضح.
ورغم كل الانتقادات المسبقة، نجحت قطر في تقديم بطولة مترابطة، مريحة، وممتعة. أثبتت أن الصغر الجغرافي يمكن أن يكون ميزة، لا عيبًا. اليوم، بعد مواجهة تعقيدات 2026، أصبحت هذه التجربة مصدر إلهام ومقارنة إيجابية.
الحنين إلى قطر لا يعني رفض التنوع الثقافي الذي تقدمه نسخة 2026، بل يعكس رغبة المشجع في تجربة كروية نقية، مريحة، وشاملة حقًا. إنه تذكير بأن النجاح الحقيقي لمونديال كرة القدم لا يُقاس بعدد الدول أو حجم السوق، بل بقدرته على جمع الناس في تجربة إنسانية موحدة.














