قيل للجنوب طوال عقدين كلمة واحدة: انتظر. أجّل دولتك، واجعل قضيتك ذيلا لمعركة في الشمال ضد الحوثي، فالأولوية للحرب التي اشتعلت هناك لا لاستقلالك أنت. صبرنا. حمل الجنوبي البندقية في كل جبهة طلب منه حملها فيها، ودفع من دمه ثمن وحدة إلحاقية لم يجن منها سوى الإقصاء والموت.

واليوم تتفاوض واشنطن دون أن تقترب من عملاء ايران وعلى رأسهم الحوثي وتمضي. تستثني مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران الصواريخ والأذرع بنصها الصريح، فيبقى الشمال الحوثي قائما كما هو، لا منزوع السلاح ولا مكسور الظهر. صفقة تهادن الأذرع الإرهابية ولا تنهيها.

والميليشيا نفسها أعلنتها بلسانها. تتوقف حين تنال طهران هدنتها، وتتوعد باستئناف الضربات نصرة لإيران إن عادت واشنطن إلى الحرب. تجمد حيث هي، وتبقى جاهزة للعودة في أي لحظة.

لا مقعد لنا حيث تقسم خرائط الإقليم، إذا ما بقينا في مقاعد المتفرجين، فيما وطنا يعرض في مساومات الآخرين. فلتسقط الذريعة من أساسها. إن كانت المساومات تسوي حرب إيران وتترك الشمال للحوثي قائما، فيما "بليغ الشراكة الاستراتيجية" يعلن جاهزيته لحرب تحرير صنعاء من برجه العاجي.

فلأي حرب نؤجل مستقبلنا بعد اليوم؟ حرب لم نخترها، ولا أحد ينوي إنهاءها. كلما طال التسويف، قوي حق الجنوب في أن يكف عن الانتظار.

وفي عتمة هذا الانتظار يعمل الإخوان على ما يجيدون: استثمار الفراغ وتيسير عمل تنظيمات الإرهاب كالقاعدة على ظهر الجنوب. الفراغ الذي صنعه التأجيل هو بيئتهم الخصبة، ومن يطلب منا أن ننتظر يطلب منا عمليا أن نتركهم يتمددون.

من حرس باب المندب وخليج عدن وبحر العرب حين تخلى عنها سواه. قاتل الجنوب القاعدة وداعش أكثر من عقد كامل، شراكة مباشرة أمريكية إماراتية سعودية، وأثبت أنه الشريك المجرب الوحيد الموثوق في تأمين أخطر ممرات الملاحة في العالم. سجل مكتوب بالدم، تشهد به عشر سنوات من القتال.

فلا تنادوا فينا منطق الوصاية بعد اليوم. متنا على الانتظار. الجنوب لن يبقى رهينة لحرب يسويها الكبار من حوله، وقد حسم وجهته. لا أرض بديلة، ولا قضية مؤجلة، ولا دولة إلا دولة الجنوب العربي الاتحادية.

* وزير الخارجية الأسبق