إذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها السياسية أكثر من نتائجها العسكرية، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران 2026 ستبقى حدثاً استثنائياً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، ليس لأنها شهدت تبادلاً مباشراً للنيران بين أطراف كانت تفضّل لعقود طويلة القتال عبر الوكلاء، وإنما لأنها أفضت إلى ما لم يكن ممكنًا تصوره في الأدبيات السياسية للجمهورية الإسلامية بأول اتفاق مكتوب ومعلن بين النظام الإيراني والبيت الأبيض بعد عقود من العداء المعلن وشعارات “الموت لأميركا” التي شكّلت أحد أعمدة الشرعية الثورية منذ عام 1979.

هذه الحقيقة وحدها تستحق التوقف أمامها طويلاً، فمن أزمة الرهائن في السفارة الأميركية بطهران وحتى اليوم، جرت مفاوضات سرية واتصالات غير مباشرة وصفقات محدودة وتفاهمات مرحلية، بما فيها الاتفاق النووي عام 2015، غير أن المنطقة لم تشهد حرباً مباشرة بهذا الحجم بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها تنتهي إلى اتفاق سياسي مكتوب يعترف فيه الطرفان عمليًا بضرورة العودة إلى قواعد منظمة للاشتباك.

لهذا فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في بنوده، وإنما في الظروف التي أنتجته، فالحرب كانت الأولى من نوعها، ولذلك كان من الطبيعي أن تنتج أول وثيقة سياسية من نوعها أيضًا. لقد احتاج الطرفان إلى المرور عبر النار للوصول إلى ما عجزت عنه سنوات طويلة من الرسائل الخلفية والوسطاء والمبادرات الدبلوماسية المتعثرة.

النظام الإيراني الذي بنى شرعيته على فكرة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وجد نفسه مضطراً إلى توقيع اتفاق مع الدولة التي وصفها طوال نصف قرن بالشيطان الأكبر.

المفارقة أن النظام الإيراني الذي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته على فكرة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى توقيع اتفاق مع الدولة ذاتها التي وصفها طوال ما يقارب نصف قرن بأنها الشيطان الأكبر، هنا لا نتحدث عن تنازل سياسي، وإنما عن لحظة تكشف التناقض العميق بين الخطاب والممارسة في التجربة الإيرانية.

فمن الثورة الإسلامية عام 1979 تعايشت طهران مع الولايات المتحدة على قاعدة مزدوجة، في العلن كانت لغة المواجهة والتعبئة الثورية حاضرة في كل مناسبة، وفي الكواليس كانت قنوات الاتصال لا تنقطع بالكامل، حدث ذلك في حرب العراق وإيران، وظهر في ملفات أفغانستان والعراق، ثم عاد في المفاوضات النووية، قبل أن يصل اليوم إلى أول اتفاق مكتوب يأتي بعد أول مواجهة مباشرة بهذا الحجم، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا وقّعت إيران، وإنما لماذا استغرق الأمر حرباً كاملة حتى تصل إلى ما كانت ترفض الاعتراف به سياسياً.

الأهم من ذلك أن هذه الحرب كشفت حدود القوة الإيرانية وحدود القوة الأميركية في الوقت نفسه، فإيران لم تستطع فرض رؤيتها كاملة، والولايات المتحدة لم تستطع فرض رؤيتها كاملة أيضاً، الطرفان وصلا إلى نقطة أدركا عندها أن الاستمرار في التصعيد يحمل كلفة أكبر من التفاهم، وهذا بحد ذاته يمثل تحولاً مهماً في قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية.

المفارقة الأخرى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تجد نفسها أمام حقيقة أكثر تعقيداً من مجرد إعلان النجاح في فرض اتفاق على إيران، فالاختبار الأكبر لم يكن إجبار طهران على التوقيع، وإنما إعادة رسم الشرق الأوسط الذي بشرت به الاتفاقيات الإبراهيمية، هنا تحديدًا تظهر حدود المشروع الأميركي.

السؤال الذي سيشغل مراكز القرار ليس من انتصر في الحرب وإنما أي شرق أوسط خرج منها؟ شرق أوسط الاتفاقيات الإبراهيمية الذي لم يكتمل بعد؟ أم شرق أوسط الدول الوطنية المستقلة؟

لقد نجحت واشنطن في إدارة الأزمة العسكرية، ونجحت في فرض معادلات ردع جديدة، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحقيق الهدف الأوسع المتمثل في توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتشمل قوى إقليمية مركزية كان يُفترض أن تشكل العمود الفقري للشرق الأوسط الجديد، وما زالت دول محورية تتعامل مع هذه الاستحقاقات بحذر شديد، وبعضها يفضّل البقاء في المنطقة الرمادية بدلًا من اتخاذ قرارات استراتيجية واضحة.

ويزداد المشهد تعقيداً عندما نلاحظ أن عدداً من هذه القوى ما زال يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أدوات نفوذ وتأثير داخل المجتمعات العربية، وهذا الاعتماد جعل من الصعب الانتقال الكامل إلى منظومة إقليمية جديدة قائمة على الدولة الوطنية والمصالح الاقتصادية والتعاون العابر للأيديولوجيات.

لهذا فإن الحرب كشفت حدود المشروعين معاً، حدود المشروع الإيراني القائم على تصدير الثورة، وحدود المشروع الأميركي القائم على افتراض أن المصالح الاقتصادية وحدها كافية لإعادة تشكيل المنطقة، فالشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من أن يعاد ترتيبه باتفاق أو حرب أو مبادرة سياسية واحدة.

وهنا تبرز إحدى أهم نتائج الحرب، فالدول الوطنية بدأت تتصرف وفق حساباتها الخاصة بعيداً عن الانقسامات التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، لم يعد السؤال متعلقاً بمن ينتمي إلى أي محور، وإنما بمن يمتلك القدرة على حماية مصالحه الوطنية والدفاع عن أمنه القومي وفرض احترام حدوده وسيادته.

ضمن هذا التحول برزت الإمارات باعتبارها صاحبة المقاربة الأكثر وضوحاً، فما شهدته المنطقة خلال هذه الحرب يمكن اعتباره بداية تشكل عقيدة إماراتية جديدة في الردع، عقيدة لا تقوم على انتظار الآخرين كي يتولوا مهمة الدفاع عن الأمن الوطني، ولا على الاكتفاء بالإدانات السياسية أو الرهان على حسن نيات الخصوم، وإنما على قاعدة مباشرة .. السن بالسن والعين بالعين.

هذه ليست دعوة إلى الحرب، وإنما إعلان بأن كلفة الاعتداء يجب أن تكون متبادلة، وأن الردع الحقيقي يبدأ عندما يدرك الخصم أن أي استهداف سيقابله ثمن مباشر ومماثل، طوال سنوات اعتادت إيران إدارة صراعاتها عبر الوكلاء، واعتادت قوى إقليمية أخرى التعامل مع التهديدات عبر الوسطاء، أما اليوم فإن المنطقة تتحرك نحو معادلة مختلفة قوامها تحميل الدولة المسؤولية المباشرة عن أفعالها.

أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في بنوده وإنما في الظروف التي أنتجته فالحرب كانت الأولى من نوعها ولذلك كان من الطبيعي أن تنتج أول وثيقة سياسية من نوعها أيضًا

من هذه الزاوية تبدو الحرب أبعد من مجرد مواجهة عسكرية ، إنها لحظة انتقال تاريخية تكشف أن الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة من قواعد الاشتباك، مرحلة لم تعد فيها الميليشيات وحدها تتحمل تبعات المواجهة، ولم تعد فيها الدول الراعية قادرة على الاختباء خلف الوكلاء، فالمسؤولية باتت تنتقل إلى الدولة نفسها، والثمن بات يُدفع في العواصم لا في الأطراف فقط.

لهذا فإن السؤال الذي سيشغل مراكز القرار خلال السنوات المقبلة ليس من انتصر في هذه الحرب، وإنما أي شرق أوسط خرج منها، شرق أوسط الاتفاقيات الإبراهيمية الذي لم يكتمل بعد؟ أم شرق أوسط الدول الوطنية المستقلة التي تعيد تعريف أمنها ومصالحها بعيدًا عن الشعارات الأيديولوجية؟ أم أننا أمام مزيج جديد يجمع بين الواقعية السياسية والردع المباشر والتنافس على النفوذ؟.

ما نعرفه حتى الآن أن الحرب الأولى بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها انتهت بأول اتفاق مكتوب بين النظام الإيراني والبيت الأبيض، وما نعرفه أيضاً أن المنطقة التي دخلت الحرب ليست هي نفسها المنطقة التي خرجت منها، أما الحقيقة الأكثر إثارة فهي أن النظام الذي أمضى ما يقارب نصف قرن في تعريف نفسه من خلال العداء لأميركا وجد نفسه مضطراً إلى توقيع اتفاق مع الدولة ذاتها التي وصفها طويلًا بالشيطان الأكبر، وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تكون مثل هذه اللحظات أكثر أهمية من الحروب نفسها، لأنها لا تكشف موازين القوة فقط، وإنما تكشف أيضًا اللحظة التي تنتصر فيها ضرورات الدولة على أوهام الأيديولوجيا.

"العرب"