إن جحيم معاناة أبناء الجنوب الاقتصادية والمعيشية، وتدهور خدماته العامة، وفي مقدمتها انقطاع الكهرباء والمياه، وعدم استلام الموظفين لمرتباتهم في نهاية كل شهر كما يفترض، فضلًا عن زيادة أسعار الوقود والمحروقات وارتفاع كلفة النقل الداخلي وأجور المواصلات، كلها عوامل فاقمت من حجم الأزمة.

إن كل ذلك قد لفت اهتمام منظمات دولية عاملة في الشأن الإنساني، دون أن يلفت اهتمام الحكومة أو النخب والمكونات، التي لم تقدم سوى الاجتماعات والوعود والخطابات والترويج لها عبر الفضائيات، في وقت انشغل فيه الجميع بالسياسة والإعلام وتسويق الذات، ومن كانت يده في الماء ليس كمن كانت يده في النار.

وقد أصدرت إحدى المنظمات الحقوقية تقريرًا أفاد بأن وقف الحرب لن يؤثر في ارتفاع كلفة الرسوم البحرية، وأن هذه الزيادة ستستمر خلال الفترة المقبلة، بما سينعكس على سلاسل إمدادات المواد الغذائية والاستهلاكية والطبية، ويؤدي إلى مضاعفة أسعارها في السوق المحلية، الأمر الذي سيزيد من معاناة المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، ويضاعف من جحيم معاناة الشعب.

فيما أصدرت منظمة أخرى مهتمة بشؤون الطفولة تقريرًا بشأن انتشار الوفيات الناتجة عن سوء التغذية، وأنيميا فقر الدم، والإسهالات المائية.

كما أصدرت منظمة ثالثة تقريرًا أوضحت فيه أن متوسط دخل الفرد قد هبط إلى أدنى مستوياته، فيما تراجعت القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة ومقلقة، في ظل الارتفاع المستمر في أسعار مختلف متطلبات المعيشة والحياة.

وعلى صعيد ذي صلة، فإن خروج إيران بالوضع الذي خرجت به من الحرب لن يثنيها عن الاستمرار في دعم أذرعها في المنطقة. وفي هذا السياق، اخترقت طائرة إيرانية الحظر الجوي والأجواء اليمنية، وهبطت في مطار صنعاء، وربما كانت تحمل أسلحة وخبراء عسكريين استعدادًا لمرحلة تصعيد وإشعال حرب جديدة في المنطقة.

وفي هذا الإطار، قال الناطق العسكري السعودي، اللواء المالكي، إن الجاهزية مرتفعة، وإن الرد سيكون قاسيًا.

وخلاصة القول، إن الجنوب قد لا يكون بعيدًا عن ذلك، لا سيما أن الحوثي، ومن خلال عضو مكتبه السياسي محمد البخيتي، صرّح بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يساعد على تحقيق السلام في اليمن، والواضح أن المقصود بذلك هو الجنوب، خصوصًا وأن الشمال واقع تحت سيطرته.

كما أصدرت هيئة العمليات المشتركة بوزارة الدفاع أوامر عسكرية، بموجب مذكرة، إلى قوات العمالقة، وقوات درع الوطن، والقوات العسكرية، والمنطقة العسكرية الرابعة، ومحاور أبين ولحج والضالع وتعز، برفع درجة الجاهزية القصوى استعدادًا لتنفيذ أي أوامر عسكرية.

وعلى صعيد موازٍ، صرّح مصدر في الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي بأن القوات الجنوبية في حالة جهوزية تامة للرد على أي عدوان، وهو تصريح يبعث على الارتياح والطمأنينة بكل المقاييس.

ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن للقوات الجنوبية، والمناطق العسكرية، والمحاور، أن تؤدي مهامها بفعالية دون الالتفاف الشعبي والمساندة الشعبية المطلوبة، في الوقت الذي أُشغل فيه شعب الجنوب بجحيم معاناته، وتدهور حياته المعيشية، وتردي خدماته الأساسية، وهو يعيش حالة من الفقر والمجاعة والبطالة، وتعثر صرف المرتبات، والانقطاعات المستمرة للكهرباء والمياه، إلا من تشغيل يتيم إن حدث؟

وإذا اشتعلت الحرب، لا سمح الله، فإنها ستضاعف من معاناة المواطنين، وتزيد جحيمهم جحيمًا.

فما هي استعدادات الحكومة، والنخب، والمكونات السياسية لمواجهة ذلك، باعتبار أن هذه الاستعدادات تدخل في نطاق المجهود الحربي، ولا ريب في ذلك؟