> تحقيق: نشوان العثماني/ رانيا عبدالله وبسام القاضي

  • شهادات المعتقلين/ات ومعاناة العائلات تكشف أحد أكثر ملفات الحرب اليمنية إيلامًا" 
"نريد خبرًا نهائيًّا… فالموت قد يريحنا من هذا العذاب، لكن الانتظار لا يُحتمل".

بهذه الكلمات تختصر جميلة ريبان، النازحة من محافظة حجة شمالي اليمن، سبع سنوات من القلق والترقب بعد اختفاء زوجها في خضم الحرب الدائرة في البلاد. منذ ذلك اليوم الذي خرج فيه من منزله في منطقة حجور ولم يعد، تحولت حياة جميلة إلى سلسلة طويلة من الأسئلة المفتوحة التي لا تجد إجابة.


كانت جميلة على وشك وضع طفلها السابع عندما اختفى زوجها. اليوم كبر الطفل الذي لم ير والده قط، بينما تحاول الأم أن تقوم بدور الأب والأم معاً، في ظل ظروف معيشية صعبة ونزوح متكرر فرضته الحرب.

تقول جميلة إن زوجها خرج في أحد الأيام متوجهًا إلى عمله، لكنه لم يعد. حاولت الأسرة البحث عنه في كل مكان، وسألت كل من يمكن أن يملك معلومة عنه، من أقارب وأصدقاء وحتى معتقلين سابقين خرجوا من السجون، لكن جميع تلك المحاولات لم تسفر عن أي نتيجة واضحة.

بصوت يختلط فيه الحزن بالإرهاق تضيف:"لو عرفنا أنه توفي سنبكي ونرتاح… لكن أن تبقى حياتنا كلها معلقة على احتمال عودته، فهذا أصعب بكثير".

وعلى خلفية هذه المأساة، يتجلى أن قصة جميلة ليست حالة فردية. ففي ظل الحرب المستمرة في اليمن منذ سنوات، تحول ملف المعتقلين/ات والمخفيين/ات قسريًّا إلى أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، حيث تعيش آلاف العائلات ظروفًا مشابهة، تنتظر خبرًا عن أبنائها وبناتها وأزواجها الذين اختفوا في ظروف غامضة. 
  • ملف المعتقلين/ات في سياق الحرب اليمنية 
منذ اندلاع الحرب في اليمن، شهدت البلاد موجات واسعة من الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري التي طالت آلاف المدنيين، بينهم صحفيون/ات وناشطون/ات سياسيون/ات وأكاديميون/ات وأشخاص عاديون وجدوا أنفسهم في قلب الصراع دون أن يكون لهم أي دور مباشر فيه.

ورغم إدراج ملف الأسرى والمعتقلين/ات ضمن عدد من جولات التفاوض بين أطراف النزاع، إلا أن التقدم فيه ظل محدودًا ومتقطعًا، حيث تركزت عمليات الإفراج غالبًا على صفقات تبادل جزئية لا تشمل جميع المعتقلين/ات.

وبينما تتصدر الاعتبارات السياسية والعسكرية مسار التفاوض، تبقى المعاناة الإنسانية للعائلات في الهامش، حيث يعيش آلاف اليمنيين في حالة انتظار طويلة لمعرفة مصير أقاربهم. 
  • بين الأمل واليأس: عائلات تنتظر 
بالنسبة لعائلات المعتقلين/ات والمخفيين/ات قسريًّا، لا تقتصر المعاناة على غياب الشخص المعتقل فحسب، بل تمتد إلى حالة مستمرة من القلق والغموض حول مصيره. تقول جميلة ريبان إن أصعب ما واجهته خلال السنوات الماضية لم يكن الفقر أو النزوح، بل الغموض المستمر بشأن مصير زوجها. كلما طرق الباب في الليل أتخيل أنه عاد… وكلما سمعت خبرًا عن إطلاق سراح معتقلين أبدأ بالسؤال عنه من جديد.

تحاول جميلة أن تبدو قوية أمام أطفالها، لكنها تعترف بأن السنوات الماضية كانت قاسية عليها نفسيًّا."الأطفال يسألونني دائمًا عن والدهم. في البداية كنت أقول لهم إنه مسافر وسيعود قريبًا، لكن السنوات مرت ولم يعد." مثل جميلة، تعيش آلاف الأسر اليمنية في ظروف مشابهة، حيث تحول الانتظار إلى جزء من حياتهم اليومية، بينما تستمر الحرب ويظل ملف المعتقلين دون حل جذري. 
  • تجربة الاعتقال: شهادات من داخل السجون 
في صيف عام 2015، بدأت تجربة الصحفي اليمني حسن عناب مع الاعتقال، عندما تم توقيفه مع عدد من زملائه الصحفيين في العاصمة صنعاء. يقول عناب إن لحظة الاعتقال كانت صادمة بالنسبة له، ليس فقط بسبب الطريقة التي تمت بها، بل أيضًا بسبب الغموض الذي أحاط بأسباب توقيفه. "كان أول سؤال يطرحه المحققون عليّ هو: لماذا تم القبض عليك؟"، يقول عناب "كنت أجيبهم بأنني صحفي فقط، لكنهم كانوا يتعاملون معي وكأنني ارتكبت جريمة خطير".

بعد أيام من الاحتجاز الأولي، تم نقل عناب إلى سجن الأمن السياسي، حيث بدأت مرحلة أكثر قسوة من التحقيقات، بحسب روايته. يصف عناب تلك الفترة قائلًا إن أساليب التحقيق تضمنت الضرب والجلد والتعليق لساعات طويلة، إلى جانب أساليب ضغط نفسي تهدف إلى انتزاع اعترافات. ويضيف "كانوا يتعاملون معنا كما لو كنا أعداء، رغم أننا مجرد صحفيين." لم تقتصر معاناة المعتقلين/ات، بحسب شهادات عدد من الناجين، على العنف الجسدي فقط، بل شملت أيضًا الحرمان من التواصل مع العائلات لفترات طويلة، وهو ما جعل عائلاتهم تعيش في حالة من القلق المستمر. 
  • التعذيب وسوء المعاملة 
تشير شهادات عدد من المعتقلين السابقين إلى أن التعذيب وسوء المعاملة كانا من أبرز الانتهاكات التي تعرض لها السجناء خلال فترة احتجازهم. يقول أحد المعتقلين السابقين إن بعض السجناء تعرضوا لإصابات دائمة نتيجة التعذيب، بينما يعاني آخرون حتى اليوم من مشاكل صحية ونفسية بسبب ما مروا به داخل السجون. ويضيف:

"هناك أشخاص خرجوا من السجن وهم غير قادرين على المشي بشكل طبيعي، وآخرون يعانون من آثار نفسية شديدة." وتؤكد شهادات أخرى أن بعض المعتقلين ظلوا لسنوات دون محاكمة أو توجيه تهم واضحة، ما يزيد من تعقيد أوضاعهم القانونية ويجعل الإفراج عنهم أكثر صعوبة. 
  • السجن… تجربة لا تنتهي بعد الإفراج 
حتى بعد الإفراج عن بعض المعتقلين، لا تنتهي آثار تجربة السجن بسهولة. يقول حسن عناب إن العودة إلى الحياة الطبيعية بعد الاعتقال كانت صعبة، ليس فقط بسبب الآثار الصحية والنفسية، بل أيضًا بسبب التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي واجهها بعد خروجه من السجن."عندما خرجت شعرت أنني شخص مختلف تمامًا. الحياة التي كنت أعرفها قبل الاعتقال لم تعد كما كانت." بالنسبة لكثير من المعتقلين السابقين، تترك تجربة السجن جروحًا نفسية عميقة تحتاج إلى وقت طويل للتعافي بين السجون والمجتمع: أثر الاعتقال على العائلات.


لا تقتصر آثار الاعتقال أو الإخفاء القسري على الأشخاص المحتجزين فحسب، بل تمتد لتطال عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي، في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيشها اليمن منذ سنوات الحرب. يقول الدكتور محمود البكاري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، إن ظاهرة الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري خلقت ما يمكن وصفه بـ"ثقافة الفقد والانتظار" داخل المجتمع اليمني.

ويضيف:"عندما يُفقد أحد أفراد الأسرة، خاصة إذا كان المعيل الرئيسي، فإن الأسرة بأكملها تدخل في حالة من الاضطراب النفسي والاجتماعي والاقتصادي" .

ويشير البكاري إلى أن كثيرًا من العائلات تجد نفسها فجأة في مواجهة تحديات معيشية قاسية، خصوصًا في ظل تراجع فرص العمل وتدهور الوضع الاقتصادي في البلاد. وفي كثير من الحالات تضطر النساء إلى تحمل مسؤوليات جديدة، مثل إعالة الأسرة أو متابعة القضايا القانونية والبحث عن معلومات حول أماكن احتجاز أقاربهن. 
  • قصص الفقد… عندما يدفع الآباء والأمهات الثمن 
في ديسمبر 2024، توفيت والدة مراد ظافر بعد تدهور حالتها الصحية، بينما كان ابنها لا يزال محتجزًا منذ أشهر. مراد، الذي كان يعمل موظفًا في المعهد الديمقراطي الوطني، اعتُقل تعسفيًّا من قبل جماعة الحوثي، ولم يتمكن من رؤية والدته أو حضور جنازتها.

بالنسبة للعائلة، لم تكن وفاة الأم مجرد حادثة فردية، بل امتدادًا لمعاناة طويلة بدأت منذ اعتقال ابنها. تقول إحدى قريبات الأسرة إن الأم كانت تعيش في حالة قلق دائم على مصير ابنها، وكانت تسأل عنه باستمرار. "كانت تقول دائمًا: أريد فقط أن أراه مرة واحدة".

وفي حالة أخرى، توفيت والدة الناشطة اليمنية رباب المضواحي في العاصمة الأردنية عمّان بعد أكثر من عام من القلق المستمر على مصير ابنتها المعتقلة. وكانت رباب قد اعتُقلت في يونيو 2024 ضمن حملة اعتقالات طالت عددًا من موظفي المنظمات الدولية والعاملين في المجال الإنساني. بعد وفاة والدتها بفترة قصيرة، تم الإفراج عنها، لكنها خرجت لتجد أن والدتها التي كانت تنتظر عودتها قد رحلت. 
  • وجوهٌ من مأساة الانتظار 
خلف الأرقام الجافة في ملف المحتجزين، تختبئ حيوات توقفت وعائلات كبرت في غياب عائلها. في هذه السطور، نستعرض شهادات تعكس الأثر الإنساني الغائر الذي تركه الإخفاء والاحتجاز في روح الإنسان اليمني.

"ثماني سنوات من الوقوف خلف الأبواب، تتأمل الوجوه العابرة لعلّ أحدًا يحمل ملامح ابنها..". 
  • أم خالد البيضاني - أم تبحث عن ابنها… حتى لو كان مجرد عظام 
قصة أم خالد البيضاني تعكس مأساة آلاف الأمهات اليمنيات اللواتي يبحثن منذ سنوات عن مصير أبنائهن المخفيين قسرًا. في 22 يوليو 2017 خرج ابنها خالد ولم يعد. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة بحث طويلة بين مكاتب الأمن والسلطات المحلية دون أن تحصل على أي إجابة واضحة.

تقول الأم بحزن: "ثماني سنوات وأنا أبحث عنه… لا أعرف هل هو حي أم ميت." لم تقتصر المعاناة على فقدان الابن، بل امتدت إلى بقية أفراد العائلة. فقد توفي حفيدها الرضيع خلال تلك السنوات، بينما كبرت ابنته وهي تسمع قصة"الأب المسافر" الذي لم يعد. ورغم مرور كل هذا الوقت، لا تزال الأم تتمسك بأمل ضعيف في معرفة مصير ابنها، حتى لو كان ذلك مجرد العثور على رفاته.

"لم تكن تدرك أن وجبة غداء عادية ستكون الوداع الأخير، وأن ابنتها ستكبر لتنتظر من يمسك بيدها في ليلة زفافها.." . 
  • خالد السياغي - حين يختفي الأب… وتكبر العائلة على الانتظار 
لم تكن زوجة خالد السياغي تتوقع أن يتحول يوم عادي في حياة عائلتها إلى بداية رحلة طويلة من الغياب. كان خالد يعمل في إحدى الشركات التجارية في تعز، بينما كانت عائلته تقيم في محافظة إب. كان يزورهم كل نهاية أسبوع، حتى اختفى فجأة عام 2016 بعد أن اقتحم مسلحون المطعم الذي كان يتناول فيه الغداء مع زملائه. منذ ذلك اليوم لم تحصل العائلة على أي معلومات مؤكدة عنه. تقول زوجته إن أصعب ما تواجهه اليوم هو أسئلة أطفالها الذين كبروا دون أن يعرفوا والدهم.ابنتي الكبرى مخطوبة الآن، وكانت تحلم دائمًا أن يقودها والدها إلى عريسها" .لكن هذا الحلم لا يزال معلقًا بانتظار عودة قد تأتي يومًا ما.

"أحيانًا تكون الحرية مثقلة بالندوب، حين يخرج المرء ليجد أن السجن لم يسرق سنوات عمره فقط، بل سرق بيت عائلته أيضًا..". 
  • محمد فرحان - خمس سنوات خلف القضبان… ومعاناة بعد الحرية 
في عام 2016 اعتُقل المعلم محمد فرحان بعد أن تم استدراجه إلى أحد الأماكن في محافظة إب. خلال فترة احتجازه، تعرض بحسب روايته للتعذيب والصعق بالكهرباء والضرب المبرح، كما حُرم من التواصل مع عائلته لفترات طويلة.

لم تقتصر المعاناة على داخل السجن فقط، إذ تعرضت عائلته لابتزاز مالي من قبل وسطاء ادعوا قدرتهم على التوسط لإطلاق سراحه. دفعت العائلة كل ما تملك من أموال، بل فقدت منزلها في تلك المحاولات. بعد خمس سنوات أُفرج عنه بعد إثبات براءته، لكنه خرج ليجد أن حياته تغيرت بالكامل. يقول: "السجن لم يعذبني وحدي… عذب عائلتي أيضاً." اليوم يحاول فرحان تجاوز آثار تلك التجربة ومساعدة معتقلين سابقين آخرين على إعادة بناء حياتهم. 
  • العاملون/ات في المجال الإنساني… ضحايا الاتهامات السياسية 
لم تقتصر الاعتقالات على الناشطين/ات والصحفيين/ات، بل طالت أيضًا العاملين/ات في المجال الإنساني. في السنوات الأخيرة، شهد اليمن حملات اعتقال طالت عددًا من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية. وفي أحد أبرز هذه الحوادث، تم اعتقال عدد من العاملين/ات في المجال الإنساني بتهم تتعلق بالتجسس لصالح جهات أجنبية، وهي اتهامات أثارت قلقًا واسعًا لدى المنظمات الدولية.

وترى وزيرة حقوق الإنسان اليمنية السابقة، حورية مشهور، أن احتجاز العاملين والعاملات في المجال الإنساني يشكل تهديدًا خطيرًا للعمل الإغاثي في البلاد. وتقول:"هذه الاعتقالات لا تضر فقط بالأشخاص المحتجزين، بل تقوض أيضًا الثقة في العمل الإنساني، وتؤثر على قدرة المنظمات على تقديم المساعدات للمحتاجين." وتضيف أن استمرار هذه الممارسات قد يدفع بعض المنظمات إلى تقليص أنشطتها أو مغادرة مناطق معينة، وهو ما قد يفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن. 
  • وفاة عامل إغاثة في السجن 
في فبراير 2025، توفي أحمد باعلوي، أحد العاملين في برنامج الأغذية العالمي، أثناء احتجازه في سجن بمدينة صعدة. وكان باعلوي قد اعتُقل قبل أسابيع، بحسب تقارير حقوقية، في ظروف وصفتها منظمات دولية بأنها تعسفية. وأثارت وفاته مخاوف متزايدة بشأن سلامة العاملين الإنسانيين المحتجزين

وقالت ديالا حيدر، الباحثة المعنية بشؤون اليمن في منظمة العفو الدولية، إن هذه الحادثة تزيد من القلق بشأن أوضاع المحتجزين. وأضافت:"تزيد هذه الوفاة من المخاوف بشأن سلامة جميع الأشخاص المحتجزين تعسفيًا، بمن فيهم موظفون في وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني". 
  • العمل الإنساني تحت الضغط 
تشير تقارير حقوقية إلى أن حملة الاعتقالات التي طالت العاملين والعاملات في المجال الإنساني أدت إلى تعطيل بعض الأنشطة الإغاثية في اليمن. ففي بلد يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يعتمد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.


لكن استمرار الاعتقالات والقيود المفروضة على العمل الإنساني يضع هذه الجهود في مواجهة تحديات كبيرة. ويرى بعض الخبراء أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تقليص حجم المساعدات المتاحة، أو إبطاء عمليات توزيعها. 
  • عاملون/ات إنسانيون ضحايا للتجسس المزعوم 
في هذا السياق، شددت وزيرة حقوق الإنسان اليمنية السابقة، حورية مشهور، على أن احتجاز العاملين/ات في المنظمات الدولية يمثل انتهاكًا خطيرًا، لأنه يقوّض الثقة في العمل الإنساني ويسهم في دفع المنظمات إلى مغادرة المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ما يفاقم الأزمة الإنسانية. ودعت إلى استمرار الضغط المحلي والدولي للإفراج عنهم، وإدراج قضيتهم ضمن صفقات تبادل الأسرى، مؤكدة أهمية دور الوسطاء المحليين مثل القانونيين والشيوخ القبليين في هذا المسار.

كما أشارت مشهور إلى أن منظمات المجتمع المدني نفسها تعرضت لانتهاكات وضغوط دفعتها في كثير من الحالات إلى العمل من مناطق أقل خطورة أو من خارج البلاد. وأثنت على دور رابطة أمهات المختطفين كنموذج فاعل في توثيق الانتهاكات والمناصرة وتقديم الدعم لعائلات الضحايا.

ولضمان المساءلة، طالبت مشهور بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين/ات، وتفعيل لجان تبادل الأسرى مع ضمان تمثيل رابطة أمهات المختطفين فيها، إضافة إلى تقديم الدعم لعائلات المحتجزين/ات وإعادة تأهيل من تعرضوا لأضرار نفسية وبدنية، وإدراج هذه القضية ضمن مسار العدالة الانتقالية، مع ضرورة كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المحتجزون. 
  • إدانات دولية وأممية متواصلة 
وفي إحاطة أمام مجلس الأمن في 12 فبراير 2026، جدد المبعوث الخاص للأمم المتحدة، هانس جروندبرج، إدانته الشديدة لاستمرار الاعتقالات التعسفية التي تطال الكوادر الإغاثية. وكشف جروندبرج عن رقم صادم يشير إلى أن 73 موظفًا من الأمم المتحدة، إلى جانب عشرات العاملين في منظمات المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، لا يزالون محتجزين لدى جماعة أنصار الله، مطالبًا ليس فقط بالإفراج الفوري عنهم، بل وبإلغاء كافة قرارات إحالتهم إلى المحاكم.

من جهتها، حذرت ليزا دوتن، المسؤولة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، من أن هذه الاعتقالات تسببت في عرقلة وصول المساعدات الحيوية لـ 22.3 مليون يمني يعانون من أسوأ أزمة جوع في المنطقة. وأكدت دوتن أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يفاقم معاناة الفئات الأكثر ضعفًا، خاصة النساء والأطفال، داعيةً المجتمع الدولي لممارسة ضغوط جادة لضمان سلامة الطواقم الإغاثية وتمويل الاستجابة الإنسانية المتراجعة.

أظهرت أزمة المحتجزين منحى تصاعديًّا خطيرًا مع حملة الاعتقالات الواسعة التي شنتها سلطات الحوثيين في أوائل يونيو 2025. ووفقًا لـ تقرير علي عبدالإله سلام، نشرته صحيفة الأيام، ألقت السلطات القبض على ما لا يقل عن 27 موظفًا، بينهم نساء، يعملون لصالح وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات إغاثة دولية، بعد اتهامهم بالانتماء إلى ما وصفته الجماعة بـ"شبكة تجسس أمريكية إسرائيلية". وقد أثارت هذه الاتهامات قلقًا واسعًا بشأن سلامة العاملين الإنسانيين في اليمن، واعتُبرت ضربة مباشرة لجهود الإغاثة في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. 
  • مآسٍ إنسانية مرتبطة بملف الاحتجاز 
ولم تقتصر تداعيات هذه الاعتقالات على الأفراد وعائلاتهم، بل امتدت إلى تعطيل عدد من العمليات الإنسانية الحيوية في مجالات الأمن الغذائي والصحة، ما أدى إلى تعليق أو توقف مشاريع إغاثية أساسية يعتمد عليها ملايين اليمنيين.

وفي سياق هذه الأزمة، برزت أيضًا مآسٍ إنسانية مرتبطة بملف الاحتجاز، مثل وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه، ووفاة والدة ناشطة يمنية بعد تدهور حالتها الصحية نتيجة القلق المستمر على مصير ابنتها المعتقلة، وهو ما يعكس التأثير العميق لهذه الانتهاكات على العائلات والمجتمع.

ورغم الجمود الذي يحيط بهذا الملف، برزت بعض مؤشرات الأمل عبر ما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الصامتة". فقد أُفرج في أبريل 2025 عن موظف في السفارة الهولندية بعد عام من الاحتجاز، بفضل جهود الوساطة التي قامت بها سلطنة عُمان. وتشير هذه الخطوة إلى أن الجهود الدبلوماسية غير المعلنة قد تحقق نتائج في بعض الحالات، عندما تفشل المسارات التفاوضية العلنية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية توسيع هذا النهج لإطلاق سراح مزيد من المعتقلين/ات وإنهاء أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلامًا في الأزمة اليمنية. 
  • توثيق الانتهاكات… عمل محفوف بالمخاطر 
يواجه توثيق حالات الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في اليمن تحديات كبيرة، بسبب طبيعة الصراع وتعدد الأطراف المسيطرة على الأرض. يقول الصحفي والناشط الحقوقي عبدالباسط الشاجع إن عملية التوثيق تعتمد على منهجية دقيقة تهدف إلى التحقق من المعلومات قبل نشرها. ويضيف:

"نعتمد على مقابلات مباشرة مع عائلات المحتجزين/ات وشهود العيان، إضافة إلى مراجعة تقارير المنظمات الدولية والمحلية، حتى نتمكن من بناء ملفات موثوقة يمكن استخدامها في المناصرة." لكن هذه العملية ليست سهلة، إذ يواجه الباحثون والناشطون صعوبات عديدة، من بينها خوف بعض العائلات من الإبلاغ عن حالات الاعتقال بسبب التهديدات أو المخاوف الأمنية.

ويشير المحامي ماهر العبسي إلى أن نسبة كبيرة من حالات الاعتقال لا يتم توثيقها رسميًا.

ويقول:

"بعض التقديرات تشير إلى أن ما يقارب 70 في المئة من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها، إما بسبب خوف العائلات أو بسبب عدم معرفتها بآليات التوثيق". 
  • أوضاع الاحتجاز 
تشير شهادات عدد من المحامين والناشطين الحقوقيين إلى أن أوضاع الاحتجاز في اليمن تعاني من مشكلات خطيرة، مثل الاكتظاظ وسوء التغذية وغياب الرعاية الصحية. تصف المحامية والناشطة الحقوقية رغدة المقطري الوضع في بعض أماكن الاحتجاز بأنه "مقلق للغاية". وتقول إن العديد من السجون تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

وتضيف: "المحتجزون/ات يعيشون في ظروف صعبة للغاية، حيث يعاني كثير منهم من نقص الغذاء والرعاية الصحية، إضافة إلى الاكتظاظ الشديد." وترى المقطري أن بطء استجابة المجتمع الدولي لهذه الانتهاكات يزيد من تعقيد الملف الإنساني. 
  • الآثار النفسية للاحتجاز 
لا تنتهي معاناة المحتجزين بمجرد الإفراج عنهم، إذ يواجه كثير منهم صعوبات نفسية واجتماعية طويلة الأمد. تقول الدكتورة إنجيلا المعمري، رئيسة قسم علم النفس في جامعة تعز، إن تجربة الاعتقال أو الاختفاء القسري تترك آثاراً عميقة قد تستمر لسنوات. وتوضح أن بعض المعتقلين السابقين يعانون من اضطرابات نفسية مثل القلق المزمن أو الصدمات النفسية.

وتضيف: "التعافي من هذه التجربة لا يحتاج فقط إلى دعم نفسي، بل إلى منظومة دعم متكاملة تشمل الجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية." لكن في ظل ضعف المؤسسات الحكومية وقلة الموارد، تظل برامج الدعم النفسي والاجتماعي محدودة. 
  • النساء في قلب قضية المحتجزين 
في ظل تعثر الجهود السياسية، برزت النساء اليمنيات كواحدة من أبرز القوى الدافعة للمطالبة بالكشف عن مصير المحتجزين والمخفيين قسراً. فمن خلال الوقفات الاحتجاجية والحملات الإعلامية، لعبت أمهات وزوجات وأخوات المعتقلين دوراً محورياً في إبقاء هذه القضية حاضرة في المجال العام، رغم التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجههن.

وقد قادت مبادرات نسوية، من أبرزها رابطة أمهات المختطفين، جهوداً متواصلة لتوثيق الانتهاكات وتنظيم حملات مناصرة محلية ودولية للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين والكشف عن مصير المخفيين قسراً.

وتقول المحامية والناشطة الحقوقية معين العبيدي إن النساء في اليمن لعبن دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات المتعلقة بالمعتقلين/ات. وتوضح أن العديد من المبادرات النسوية قامت بتنظيم وقفات احتجاجية وإصدار بيانات توثيقية للضغط من أجل إطلاق سراح المعتقلين. لكن رغم هذا الحضور القوي، لا تزال مشاركة النساء في المفاوضات الرسمية محدودة للغاية.

وترى العبيدي أن إشراك النساء في هذه المفاوضات يمكن أن يسهم في إعطاء الأولوية للملفات الإنسانية، وعلى رأسها قضية المعتقلين.

تقول الباحثة والناشطة الحقوقية أفراح ناصر إن النساء في اليمن لم يتوقفن عن المطالبة بالعدالة رغم سنوات الحرب الطويلة، مشيرة إلى أن هذه القضية لا تمس المعتقلين فقط بل عائلاتهم ومجتمعهم بأكمله. وتضيف ناصر: "لكن نساء اليمن لا يعرفن الاستسلام. أمهات وزوجات وناشطات يواصلن المطالبة بإطلاق سراح أحبائهن رغم سنوات الحرب".

وترى العديد من الناشطات أن إشراك النساء في مفاوضات السلام لا ينبغي أن يكون مجرد تمثيل رمزي، بل ضرورة لضمان معالجة القضايا الإنسانية الأساسية، وعلى رأسها قضية المحتجزين التي تمس آلاف العائلات اليمنية بشكل مباشر.

وفي هذا السياق، أكدت مديرة الإعلام في اللجنة الوطنية للمرأة ماريا راشد أن جهود السلام في اليمن ما تزال متوقفة، مشيرة إلى أن اللجنة تعمل على تعزيز مشاركة النساء في المفاوضات، بما في ذلك المطالبة بإدراج المختطفات والمعتقلات في أي صفقات تبادل للأسرى. 
  • مطالب نسوية بالمناصفة في صناعة السلام والعدالة 
كما شددت عضوة الفريق القانوني بالمجلس الرئاسي نبيلة الحكيمي على أن ملف الاحتجازات والاختفاء القسري في اليمن بلغ مستويات مقلقة، مؤكدة أن معالجة هذا الملف تمثل خطوة أساسية لبناء الثقة بين أطراف النزاع، وأن إشراك النساء في مسارات السلام يسهم في إبراز البعد الإنساني لهذه القضية.

وتشير تقارير دولية إلى أن آلاف العائلات اليمنية تعيش حالة مستمرة من القلق والترقب بشأن مصير أحبائها المحتجزين أو المخفيين قسراً. فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات متزايدة من الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، وهي انتهاكات لا تؤثر على المحتجزين فحسب، بل تمتد آثارها إلى عائلاتهم، خصوصاً النساء اللواتي يتحملن عبء البحث عن المعلومات وتأمين سبل العيش.

كما يؤكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن الأسر التي لديها محتجزون تعيش "كابوساً يومياً من الخوف والقلق"، فيما تواصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهودها لتسهيل زيارات العائلات ونقل الرسائل بين المحتجزين وأسرهم، معتبرة أن هذه الزيارات تمثل "شريان حياة" يخفف من معاناتهم.

وضعت القمة النسوية الثامنة ملف الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين/ات على رأس أولوياتها، داعيةً إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة المحتجزين/ات تعسفاً، والمعتقلين/ات، والمخفييين/ات قسراً. واعتبرت القمة أن الانتهاكات المرتكبة بحق النساء بلغت مستويات"غير مقبولة إنسانياً"، مشددةً في الوقت ذاته على ضرورة ضمان تمثيل نسوي بنسبة لا تقل عن 50 % في لجان التفاوض، ومراقبة وقف إطلاق النار، ولجان تبادل الأسرى؛ لضمان معالجة هذه الملفات ضمن مسارات السلام والممرات الإنسانية.

وفي مسار العدالة، أكدت القمة ضرورة تصميم آلية وطنية فعالة للعدالة الانتقالية، تتبنى مبدأ المناصفة في مراحلها كافة؛ بما يكفل الاعتراف بحقوق الضحايا ومحاسبة الجناة. كما طالبت بإدماج قضايا المحتجزين/ات والمخفيين/ات ضمن الهيئات المرتبطة بمسار العدالة، مع التشديد على ضرورة الكشف عن مصير المدافعات عن حقوق الإنسان، وضمان جبر أضرار الضحايا وتعويضهم؛ تأسيساً لسلام مستدام ومساواة فعلية. 
  • جمود المفاوضات وجهود دولية محدودة 
وعلى الرغم من إدراج ملف المعتقلين/ات في جولات تفاوضية ماراثونية، كان أبرزها صفقة أبريل 2023 التي شملت نحو 900 أسير، إلا أن الملف لا يزال يراوح مكانه بين آمال الانفراج وعقبات التعثر. فبينما تتواصل مفاوضات (عمّان) الحالية برعاية أممية لإنقاذ صفقة متعثرة أُعلن عنها سابقاً، تظل الوعود الحكومية بالحرص على التبادل تصطدم بواقع ميداني معقد، ليبقى مئات المختطفين خارج حسابات الصفقات المنجزة، بانتظار إرادة سياسية تنهي معاناة آلاف الأسر اليمنية.

وعلى المستوى الدولي، تبذل بعض المنظمات جهوداً لمعالجة قضية المحتجزين. إذ تلعب اللجنة الدولية للصليب الأحمر دوراً في تسهيل زيارات العائلات ونقل الرسائل بين المحتجزين وأسرهم، وتصف هذه الزيارات بأنها "شريان حياة" للمحتجزين/ات. كما دعت الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة إلى الإفراج عن المحتجزين/ات، خصوصًا العاملين/ات في المجال الإنساني.


لكن، رغم هذه الجهود، يرى مراقبون أن غياب آليات دولية ملزمة للمساءلة يحد من تأثير هذه المبادرات، ويجعل التقدم في هذا الملف بطيئًا ومحدودًا.

وفي هذا السياق، تقول المحامية عفراء حريري إن الجهود الحالية لا تزال بطيئة، مضيفة: "ملف المعتقلين يمثل خطوة أساسية لبناء الثقة بين الأطراف، لكن غياب آلية واضحة وملزمة يجعل التقدم فيه محدودًا". 
  • إدانات دولية وأرقام مقلقة 
تشير تقارير حقوقية محلية ودولية إلى تزايد حالات الاعتقال التعسفي في اليمن خلال السنوات الأخيرة، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي. فقد كشفت القاضية إشراق المقطري، المتحدثة باسم اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، سابقاً وزيرة الشؤون القانونية حالياً عن تسجيل ارتفاع ملحوظ في حالات الاعتقال خلال الفترة الماضية.

وأوضحت المقطري أن فرق الرصد الميداني التابعة للجنة وثقت أكثر من 120 حالة اعتقال في محافظة إب وحدها خلال شهرين فقط، معظمهم من التربويين والمعلمين، إضافة إلى اعتقال 13 ناشطاً وإعلامياً في محافظة الحديدة. كما أشارت إلى أن حملات الاعتقال توسعت بعد مقتل أحد قيادات الجماعة، حيث تم مداهمة مكتب منظمة اليونيسف واعتقال21 شخصًا لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى الآن.

وفي السياق ذاته، أدان مجلس الأمن الدولي في جلسته رقم 1951 حالات الاحتجاز التعسفي والانتهاكات التي يتعرض لها العاملون/ات في المجال الإنساني والموظفون/ات الدبلوماسيون والناشطون/ات السياسيون والصحفيون/ات وقادة منظمات المجتمع المدني والمدافعون عن حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مطالباً بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

كما أشار المجلس إلى المخاطر التي تواجهها المدافعات عن حقوق الإنسان، مشيداً بالدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني النسوية في الدفاع عن قضايا المعتقلين والمطالبة بإطلاق سراحهم.

من جهتها، وثقت رابطة أمهات المختطفين في تقريرها الثامن ما لا يقل عن 833 حالة اختطاف واحتجاز خلال عام واحد، في مؤشر يعكس استمرار هذه الانتهاكات رغم المطالبات الدولية بوقفها. 
  • الأبعاد السياسية والعسكرية 
يرى بعض المحللين أن تعقيد ملف المعتقلين لا يعود فقط إلى الجوانب الإنسانية أو القانونية، بل يرتبط أيضاً بتوازنات سياسية وعسكرية. يقول الباحث والمحلل السياسي عبدالسلام محمد إن أي تقدم في ملف المعتقلين/ات يرتبط بتطورات المشهد العسكري. ويضيف:"في كثير من الأحيان يتم استخدام ملف الأسرى والمعتقلين كورقة ضغط في المفاوضات السياسية".

من جهته، يرى اللواء علي ناجي عبيد أن المرحلة التي يصفها البعض بمرحلة "اللاحرب واللاسلام" كان يمكن أن تشكل فرصة لإطلاق سراح المعتقلين/ات كبادرة لبناء الثقة. لكنه يشير إلى أن التوترات العسكرية المستمرة حالت دون تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف. 
  • تحديات ومقترحات للحل 
كشف مصدر فضل عدم ذكر اسمه، وهو باحث وراصد في مجال حقوق الإنسان يعمل مع منظمات أممية ودولية منذ 2015، عن التحديات الجسيمة التي تواجه توثيق حالات الاحتجاز والانتهاكات في اليمن. أشار المصدر إلى أن التحدي الأبرز يكمن في غياب إطار قانوني موحد والإرادة السياسية لدى أطراف النزاع لتطبيق القوانين التي تحمي حقوق المحتجزين، مما خلق فجوة عميقة بين النصوص القانونية والواقع على الأرض.

ووفقًا للمصدر، فإن التعامل مع القضايا القانونية للمحتجزين/ات يختلف بشكل كبير حسب الجهة المسيطرة، سواء كانوا الحوثيين أو الحكومة المعترف بها دوليًا أو المجلس الانتقالي. فرغم أن الدستور اليمني يضمن حقوقًا أساسية للمحتجزين/ات، إلا أن البلاد تشهد انتشارًا للاحتجاز التعسفي، والتعذيب، وتدهور أوضاع السجون، في ظل تسييس القضاء واستخدامه كأداة ضد الخصوم. وعلى المستوى الدولي، ورغم جهود المفوضية السامية لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن هذه الجهود تظل محدودة الفعالية لغياب آليات إلزامية للمساءلة.

لفت المصدر ذاته، إلى أن الاهتمام الدولي بملف المحتجزين/ات شهد تراجعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد توقف عمل فريق الخبراء البارزين للأمم المتحدة عام 2021 أدى هذا التراجع إلى تهميش الملف الإنساني لصالح الأولويات السياسية والعسكرية. أما فيما يتعلق بملف العاملين في المنظمات الدولية المحتجزين لدى الحوثيين، فقد اعتبره المصدر من أخطر الانتهاكات، لأنه يقوّض الثقة في العمل الإنساني.

وأكد أنه يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا أكثر فعالية عبر توحيد الجهود وتكثيف الحملات الإعلامية، وبناء تحالفات حقوقية دولية للضغط من أجل إطلاق سراحهم/ن. وأشار إلى أن المبادرات التي ربطت قضية المحتجزين بملفات التفاوض الأوسع، مثل عمليات التبادل التي تمت برعاية الأمم المتحدة والصليب الأحمر، حققت نجاحًا نسبيًا.

وقدم المصدر، في ختام حديثه، مجموعة من التوصيات لضمان المساءلة عن الانتهاكات. على المستوى المحلي، طالب بوقف الاعتقال التعسفي وتفعيل دور القضاء المستقل. أما على المستوى الدولي، فقد دعا إلى إعادة إحياء آليات المراقبة المستقلة، وربط أي دعم سياسي أو اقتصادي باحترام حقوق المحتجزين، مع فرض عقوبات على المسؤولين المباشرين عن الانتهاكات. وشدد على أهمية إشراك أسر المحتجزين والمجتمع المدني في جهود التوثيق والمناصرة لضمان بقاء أصوات الضحايا حاضرة. 
  • انتظار بلا نهاية 
اليوم، ما تزال آلاف العائلات اليمنية تعيش في حالة انتظار مستمر لمعرفة مصير أبنائها وبناتها. بالنسبة لجميلة ريبان، التي بدأت قصتها في بداية هذا التحقيق، لم يتغير الكثير منذ اختفاء زوجها. لا تزال تنتظر خبراً قد يأتي في أي لحظة.

تقول: "لا أريد شيئًا كبيرًا… فقط أريد أن أعرف أين هو."

وبينما تستمر الحرب وتتعثر المفاوضات، يبقى ملف المعتقلين/ات واحدًا من أكثر الملفات الإنسانية إيلامًا في اليمن، قضية لا تتعلق فقط بالأشخاص المحتجزين، بل بعائلات كاملة تعيش تحت وطأة الغياب والانتظار.

كما يشير أحد تقارير الأمم المتحدة: "قضية المحتجزين والمفقودين من أكثر القضايا إيلامًا في اليمن، وتؤثر بشكل مباشر على حياة مئات الآلاف".

خلاصة التحقيق

يكشف هذا التحقيق أن قضية المعتقلين/ات في اليمن تتجاوز كونها ملفًا قانونيًا أو سياسيًا، لتصبح قضية إنسانية عميقة تمس حياة آلاف الأسر.

وبينما تستمر الجهود الحقوقية والدولية للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين/ات والكشف عن مصير المخفيين/ات قسرًا، يبقى الحل مرتبطًا بوجود إرادة سياسية حقيقية لإنهاء هذا الملف الإنساني المعقد.

حتى ذلك الحين، ستظل عائلات كثيرة مثل عائلة جميلة ريبان تعيش بين الأمل واليأس، في انتظار خبر قد ينهي سنوات طويلة من الغياب.

تحقيق/ نشوان العثماني، رانيا عبدالله وبسام القاضي

ساهم في التحقيق "حنان حسين، محمد حفيظ، وأفراح بورجي ".

مصادر مفتوحة وتدقيق معلومات: محمد مساعد، وعدنان المنصوري.

الإخراج الفني: حسين الأنعمي.

إشراف عام: نشوان العثماني.

أُعد هذا التحقيق الصحفي المعمق ضمن مشروع "تضخيم أصوات النساء من خلال الإعلام"، المنفذ من قبل مؤسسة الصحافة الإنسانية (hjf)، بدعم من منظمة مبادرة مسار السلام، بالشراكة مع رابطة النساء الدولية للحقوق والحرية، وبتمويل من السفارة الهولندية.

المراجع والمصادر

أولًا: المقابلات الصحفية المباشرة

اعتمد التحقيق على إجراء مقابلات صحفية مباشرة مع عائلات المحتجزين والمختطفين، والمعتقلين السابقين، والمحامين، والحقوقيين، والباحثين، والخبراء، وممثلي الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف توثيق الشهادات الإنسانية، والتحقق من الوقائع، ورصد الآثار القانونية والاجتماعية والنفسية المترتبة على الاحتجاز والاختفاء القسري، وشملت المقابلات القائمة الآتية:

1 . جميلة ريبان: نازحة وزوجة لمختفٍ قسريًا.

2 . الصحفي حسن عناب: صحفي يمني ومعتقل سابق.

3 . عماد العشاري: شقيق المعتقل عاصم عبدالقوي العشاري.

4 . مصدر فضل عدم ذكر اسمه: باحث وراصد في مجال حقوق الإنسان يعمل مع منظمات أممية ودولية.

5 . حورية مشهور: وزيرة حقوق الإنسان اليمنية السابقة.

6 . ماريا راشد: مديرة الإعلام في اللجنة الوطنية للمرأة.

7 . نبيلة الحكيمي: عضوة الفريق القانوني بالمجلس الرئاسي اليمني.

8 . عفراء حريري: محامية.

9 . أشجان شريح: رئيسة مؤسسة "ألف باء" مدنية وتعايش.

10 . إشراق المقطري: القاضية والمتحدثة باسم اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان.

11 . عبدالسلام محمد: باحث ومحلل سياسي، ورئيس مركز أبعاد للدراسات.

12 . اللواء علي ناجي عبيد: خبير عسكري ومحلل سياسي.

13 . عبدالباسط الشاجع: صحفي وناشط حقوقي.

14 . علي عبدالإله سلام: باحث في القانون الإنساني الدولي ومختص في برامج الحماية المجتمعية.

15 . معين العبيدي: محامية وناشطة حقوقية ومجتمعية ووسيط محلي.

16 . الدكتورة إنجيلا سلطان المعمري: رئيسة قسم علم النفس في جامعة تعز.

17 . رغدة المقطري: محامية وناشطة حقوقية يمنية.

18 . ماهر العبسي: محامي.

19 . منصور الزيلعي: مختطف وأسير سابق.

20 . أم خالد البيضاني: والدة المختطف خالد.

21 . زوجة خالد السياغي: زوجة المختطف.

22 . محمد فرحان: معتقل سابق.

23 . الدكتور محمود البكاري: أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز.

ثانيًا: المصادر المفتوحة والوثائق المرجعية

اعتمد التحقيق على مراجعة وتحليل مجموعة واسعة من المصادر المفتوحة والوثائق المرجعية، شملت التقارير الحقوقية والإنسانية، ووثائق وآليات الأمم المتحدة، والتقارير والدراسات الوطنية والدولية، والبيانات الرسمية، والمواقع الإلكترونية المتخصصة، بهدف التحقق من المعلومات، ومقاطعة البيانات، وتعزيز دقة النتائج والاستنتاجات التي توصل إليها التحقيق، وشملت المصادر والوثائق المرجعية القائمة الآتية:

1 . منظمة العفو الدولية https://www.amnesty.org/ar/latest/campaigns/2019/12/yemen-one-of-the-worst-places-in-the-world-to-be-a-woman /

2 . مفوضية الامم المتحدة لحقوق الإنسان

https://www.ohchr.org/ar/stories/2022/07/climate-change-exacerbates-violence-against-women-and-girls

3 . اللجنة الدولية للصليب الاحمر

https://www.icrc.org/ar/where-we-work/yemen

4 . فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة.

https://www.ohchr.org/ar/hr-bodies/hrc/yemen-gee/index

5 . رابطة امهات المختطفين

https://ama-ye.org/ar/?hl=ar-00

6 . هيئة الأمم المتحدة للمرأة

https://www.unwomen.org/sites/default/files/2023-06/Policy-brief-Ensuring-safe-and-regular-migration-for-women-and-girls-in-the-context-of-climate-change-en.pdf

7 . مكتب المبعوث الاممي الى اليمن

https://yemen.unfpa.org/ar/publicatlons/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B1%D9%82%D9%85-4-%D9%84%D8%B5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%83%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1-%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%A8%D8%B1-2024

8 . إعلان القمة النسوية السابعة

https://www.wogod.org/post/1320

9 . تقارير هيومن رايتس ووتش لعام 2025

https://www.hrw.org/ar/news/2025/06/04/yemen-us-strikes-port-apparent-war-crime?hl=ar-001

10 . مركز كارنيغي للشرق الأوسط

https://epc.ae/ar/details/featured/alainkishaf-almadid-alyaman-fi-muajahat-makhatir-altghyur-almunakhi

11 . تصريح المبعوث الأممي إلى اليمن

https://osesgy.unmissions.org/ar/%D8%A5%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D9%89-0?hl=ar-001

12 . تعثر مفاوضات الاسرى وسائل الإعلام الدولية

https://www.aljazeera.net/politics/2025/5/30/%D8%AA%D8%B9%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D9%8A%D8%B9%D9%85%D9%82-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81?hl=ar-001

13 . مكتب المبعوث الأممي آخر جولة مفاوضات لتبادل الأسرى في يونيو 2024

https://osesgy.unmissions.org/ar/%D8%A5%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B1%D9%89-0?hl=ar-001

14 . لجنة تبادل الأسرى

https://www.aljazeera.net/politics/2025/5/30/%D8%AA%D8%B9%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D9%8A%D8%B9%D9%85%D9%82-%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81?hl=ar-001

15 . مجلس الأمن جلسة 9951

https://news.un.org/ar/story/2025/05/1141516

16 . الأمم المتحدة

https://news.un.org/ar/story/2025/05/1141516

17 . منظمة العفو الدولية. https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2025/02/yemen-investigate-death-in-custody-of-arbitrarily-detained-un-aid-worker/

18 . يمن فيوتشر

https://yemenfuture.net/news/17707

19 . تقرير رابطة أمهات المختطفين

https://ama-ye.org/wp-content/uploads/2024/09/AR_Report-2024_Final-11.pdf

20 . الاعتقال في اليمن أفراح ناصر

https://daraj.media/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%85%d9%86-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d8%b5%d8%a8%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%ac%d9%86-%d9%82%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%8b/

21 . وفاة والدة رباب المضواحي صحيفة النساء

https://www.alndaa.net/posts/101478

22 . جددت الأمم المتحدة

https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D8%B9%D9%86-%D9%85%D9%88%D8%B8%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D9%86

23. منظمة العفو الدولية اليمن: من أسوأ البلدان في العالم للنساء

https://www.amnesty.org/ar/latest/campaigns/2019/12/yemen-one-of-the-worst-places-in-the-world-to-be-a-woman

24. صحيفة النداء

https://www.alndaa.net/posts/100980

https://www.alndaa.net/posts/101478

25. فيسبوك صفحة شقيق المختطف العشاري

https://www.facebook.com/share/p/14E2VfjnTaC/