من أجمل العادات التي نشأنا عليها في اليمن أن باب الجار لا يُطرق عند الحاجة فقط، بل يُطرق بالمحبة. كان الأطفال يحملون صحن الجار بأيديهم الصغيرة، فيتعلمون، قبل أن يتعلموا القراءة والكتابة، أن الخير لا يكتمل حتى يعبر إلى البيت المجاور. وكنا نردد بفطرةٍ صادقة: "النبي وصّى بسابع جار." لم تكن مجرد عبارة، بل منهج حياة؛ فالجار ليس من يسكن بجوار بيتنا فحسب، بل كل إنسانٍ جاورنا في الطريق، أو العمل، أو الوطن، أو حتى في خارطة العالم. فالبيوت جيران، والمدن جيران، والدول أيضًا جيران.
بالأمس، وأنا في دولةٍ مجاورة أرتب أوراق ابنتي للالتحاق بالجامعة، وقفت في طابور الدفع في أحد المراكز التجارية. كانت شابةٌ محجبة تقف خلف صندوق المحاسبة. وبعد أن انتهت من محاسبة مشتري، التفتُّ إليها وسألتها: "من أين أنتِ يا ابنتي؟" ابتسمت وقالت: "أنا من اليمن... من صنعاء"،لا أستطيع أن أصف لكم ما حدث في تلك اللحظة..
لم تعد موظفةً خلف صندوق، ولم أعد زبونةً عابرة. فجأةً أصبحتُ"خالة"، كما نادَتني بمحبة، وتركت الصندوق لزميلتها، وأقبلت تُسلِّم عليَّ، وترحب ببناتي، ونتبادل التعارف كما اعتدنا في شيمنا اليمنية الأصيلة. كانت تكرر بابتسامةٍ دافئة: "سنبقى على تواصل يا خالة. "خرجت من ذلك المكان..!
لكن شيئًا مني بقي هناك. شعرت أن تلك الفتاة لم تقدم لي فاتورة شراء، بل قدمت لي صحن جارٍ من نوعٍ آخر؛ لم يكن يحمل طعامًا، بل كان مملوءً بالمودة، والانتماء، والطمأنينة. عندها أدركت أن أجمل ما يمكن أن نقدمه لجيراننا اليوم ليس دائمًا ما يوضع في الأطباق، بل ما يُغرس في القلوب.
كم نحن بحاجة إلى أن نعيد تقديم "صحن الجار"، ولكن بصورةٍ أوسع؛ صحنٌ تمتلئ جوانبه بالاحترام، ويتزين بالتعاون، وتفوح منه رائحة الرحمة، وتحمله الأيدي إلى كل من يجاورنا، أفرادًا كانوا أو شعوبًا أو أوطانًا. فما دام الطفل يتعلم أن يشارك جاره لقمةً من بيته، فلماذا لا تتعلم المجتمعات أن تتشارك الخير؟ ولماذا لا تتعلم الأوطان أن تمد إلى جيرانها ما يبعث الطمأنينة بدل الخوف، وما يبني الجسور بدل الأسوار؟ إننا لا نحتاج إلى أن نتشابه حتى نتعايش.. ولا إلى أن نتفق في كل شيء حتى نتعاون. يكفينا أن نؤمن بأن الإنسان هو أغلى ما في الأوطان، وأن كرامته هي أساس كل نهضة، وأن اليد التي تمتد إلى الجار بالبناء أكرم من اليد التي تمتد إليه بالإيذاء والتحقير والتشهير.
لقد أصبح العالم بيتًا واحدًا، وما يصيب غرفةً فيه لا يلبث أن يصل أثره إلى الغرف الأخرى. لذلك لم يعد حسن الجوار فضيلةً اجتماعية فحسب، بل أصبح ضرورةً حضارية. واليمن، بما يحمله من عمقٍ إنساني وحضاري، سيظل جارًا عزيزًا، والجيران الحقيقيون لا يتذكرون بعضهم في أيام الرخاء فقط، بل يعرفون قيمة الجوار حين تشتد الأيام.
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا قبل أن نسأل العالم. أين أنا اليوم من صحن الجار؟ هل أكرم أبناء وطني كما أكرم جاري؟ وإن عجزت عن إكرامهم، فهل على الأقل أمتنع عن التشهير بهم، وعن زرع الكراهية في حقهم؟ وهل أفتح قلبي لمن يختلف معي، فأستمع إليه برأفةٍ وحنان، باحثًا عن الحقيقة كاملة، أم أبحث فقط عما يؤكد قناعتي، وأتنمر عليه لأكسب تصفيق مجموعتي؟
وهل أصبح "صحن الجار" الذي حملناه صغارًا مجرد ذكرى جميلة، أم أنه ما زال حيًا في كلماتنا، وفي أحكامنا، وفي منشوراتنا، وفي طريقة تعاملنا مع كل إنسان؟ وهل يحمل صحننا اليوم خبزًا ومحبةً واحترامًا، أم امتلأ بالإشاعات، والتصنيفات، وسوء الظن، والتشهير؟
لو كان بين الدول صحن جار كما كان بين بيوت أمهاتنا، كم من حقد وكراهية كانت ستذوب؟ وكم من جدارٍ كان سيتحول إلى جسر؟ وكم من طفلٍ كان سينشأ وهو يؤمن أن العالم، مهما اتسعت حدوده، ما هو إلا حيٌّ كبير، يسكنه جيرانٌ يستحقون أن يتقاسموا الخبز والأمل والسلام.
فربما لا يحتاج عالمنا إلى موائد أكبر.
بقدر ما يحتاج إلى قلوبٍ أوسع. وربما يبدأ السلام الحقيقي يوم نقرر أن نُعيد تقديم صحن الجار؛ لا بما نضعه فيه من طعام، بل بما نملأه من رحمة، وإنصاف، وإصغاء، واحترام، حتى يصبح الإنسان، أيًّا كان رأيه أو وطنه أو معتقده، ضيفًا مكرمًا على مائدة إنسانيتنا.
ودمتم سالمين.
بالأمس، وأنا في دولةٍ مجاورة أرتب أوراق ابنتي للالتحاق بالجامعة، وقفت في طابور الدفع في أحد المراكز التجارية. كانت شابةٌ محجبة تقف خلف صندوق المحاسبة. وبعد أن انتهت من محاسبة مشتري، التفتُّ إليها وسألتها: "من أين أنتِ يا ابنتي؟" ابتسمت وقالت: "أنا من اليمن... من صنعاء"،لا أستطيع أن أصف لكم ما حدث في تلك اللحظة..
لم تعد موظفةً خلف صندوق، ولم أعد زبونةً عابرة. فجأةً أصبحتُ"خالة"، كما نادَتني بمحبة، وتركت الصندوق لزميلتها، وأقبلت تُسلِّم عليَّ، وترحب ببناتي، ونتبادل التعارف كما اعتدنا في شيمنا اليمنية الأصيلة. كانت تكرر بابتسامةٍ دافئة: "سنبقى على تواصل يا خالة. "خرجت من ذلك المكان..!
لكن شيئًا مني بقي هناك. شعرت أن تلك الفتاة لم تقدم لي فاتورة شراء، بل قدمت لي صحن جارٍ من نوعٍ آخر؛ لم يكن يحمل طعامًا، بل كان مملوءً بالمودة، والانتماء، والطمأنينة. عندها أدركت أن أجمل ما يمكن أن نقدمه لجيراننا اليوم ليس دائمًا ما يوضع في الأطباق، بل ما يُغرس في القلوب.
كم نحن بحاجة إلى أن نعيد تقديم "صحن الجار"، ولكن بصورةٍ أوسع؛ صحنٌ تمتلئ جوانبه بالاحترام، ويتزين بالتعاون، وتفوح منه رائحة الرحمة، وتحمله الأيدي إلى كل من يجاورنا، أفرادًا كانوا أو شعوبًا أو أوطانًا. فما دام الطفل يتعلم أن يشارك جاره لقمةً من بيته، فلماذا لا تتعلم المجتمعات أن تتشارك الخير؟ ولماذا لا تتعلم الأوطان أن تمد إلى جيرانها ما يبعث الطمأنينة بدل الخوف، وما يبني الجسور بدل الأسوار؟ إننا لا نحتاج إلى أن نتشابه حتى نتعايش.. ولا إلى أن نتفق في كل شيء حتى نتعاون. يكفينا أن نؤمن بأن الإنسان هو أغلى ما في الأوطان، وأن كرامته هي أساس كل نهضة، وأن اليد التي تمتد إلى الجار بالبناء أكرم من اليد التي تمتد إليه بالإيذاء والتحقير والتشهير.
لقد أصبح العالم بيتًا واحدًا، وما يصيب غرفةً فيه لا يلبث أن يصل أثره إلى الغرف الأخرى. لذلك لم يعد حسن الجوار فضيلةً اجتماعية فحسب، بل أصبح ضرورةً حضارية. واليمن، بما يحمله من عمقٍ إنساني وحضاري، سيظل جارًا عزيزًا، والجيران الحقيقيون لا يتذكرون بعضهم في أيام الرخاء فقط، بل يعرفون قيمة الجوار حين تشتد الأيام.
وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا قبل أن نسأل العالم. أين أنا اليوم من صحن الجار؟ هل أكرم أبناء وطني كما أكرم جاري؟ وإن عجزت عن إكرامهم، فهل على الأقل أمتنع عن التشهير بهم، وعن زرع الكراهية في حقهم؟ وهل أفتح قلبي لمن يختلف معي، فأستمع إليه برأفةٍ وحنان، باحثًا عن الحقيقة كاملة، أم أبحث فقط عما يؤكد قناعتي، وأتنمر عليه لأكسب تصفيق مجموعتي؟
وهل أصبح "صحن الجار" الذي حملناه صغارًا مجرد ذكرى جميلة، أم أنه ما زال حيًا في كلماتنا، وفي أحكامنا، وفي منشوراتنا، وفي طريقة تعاملنا مع كل إنسان؟ وهل يحمل صحننا اليوم خبزًا ومحبةً واحترامًا، أم امتلأ بالإشاعات، والتصنيفات، وسوء الظن، والتشهير؟
لو كان بين الدول صحن جار كما كان بين بيوت أمهاتنا، كم من حقد وكراهية كانت ستذوب؟ وكم من جدارٍ كان سيتحول إلى جسر؟ وكم من طفلٍ كان سينشأ وهو يؤمن أن العالم، مهما اتسعت حدوده، ما هو إلا حيٌّ كبير، يسكنه جيرانٌ يستحقون أن يتقاسموا الخبز والأمل والسلام.
فربما لا يحتاج عالمنا إلى موائد أكبر.
بقدر ما يحتاج إلى قلوبٍ أوسع. وربما يبدأ السلام الحقيقي يوم نقرر أن نُعيد تقديم صحن الجار؛ لا بما نضعه فيه من طعام، بل بما نملأه من رحمة، وإنصاف، وإصغاء، واحترام، حتى يصبح الإنسان، أيًّا كان رأيه أو وطنه أو معتقده، ضيفًا مكرمًا على مائدة إنسانيتنا.
ودمتم سالمين.




















