> د. سعيد شرياف :
ليست كل المآسي تصنع قضايا، وليست كل القضايا تصنع تاريخًا. فالتاريخ لا يتشكل بالأحداث وحدها، وإنما بالوعي الذي تتركه في ضمير الشعوب. قد تمر الحروب، وتنتهي الصراعات، وتُطوى صفحات السياسة، لكن ما يبقى حقًا هو الكيفية التي يعيد بها الإنسان فهم ذاته بعد المحنة. فالألم، في ذاته، ليس قيمة، وإنما يصبح كذلك حين يتحول إلى وعي، ويتحول الوعي إلى مشروع للمستقبل.
ولعل هذه الحقيقة هي ما يجعل القضية الجنوبية، في نظر مؤيديها، تتجاوز كونها خلافًا سياسيًا أو نزاعًا على السلطة، لتغدو تجربة تاريخية أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الجمعي لأبناء الجنوب. فهي ليست مجرد سردية عن الماضي، بل محاولة مستمرة للإجابة عن سؤال الهوية والمصير، وعن العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين المجتمع وتاريخه.
يذهب الفيلسوف الألماني هيغل إلى أن التاريخ ليس مجرد تعاقب للأحداث، بل هو مسار يتطور فيه الوعي الإنساني. وإذا صح هذا المعنى، فإن القيمة الحقيقية لأي قضية لا تكمن في حجم ما تعرضت له من معاناة، بل في قدرتها على تحويل تلك المعاناة إلى إدراك جديد للذات وللمستقبل. ومن هذا المنظور، يمكن فهم استمرار حضور القضية الجنوبية في وجدان كثير من أبناء الجنوب؛ ليس لأنها ذكرى لماضٍ مضى، وإنما لأنها أصبحت، بالنسبة إليهم، جزءًا من تعريفهم لأنفسهم، ولصورتهم عن المستقبل الذي يتطلعون إليه.
إن الشعوب لا تُبنى على الانتصارات وحدها، بل على الطريقة التي تقرأ بها إخفاقاتها أيضًا. فالمحن قد تكسر المجتمعات، وقد توقظها. والفرق بين الحالتين هو الوعي. فالوعي لا يعيش أسيرًا للذاكرة، بل يجعل منها مادة للتأمل، ومصدرًا لإعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر نضجًا وعدلًا.
ولذلك، فإن القضية الجنوبية، في نظر أنصارها، لم تستمر لأنها ترفض نسيان الماضي فحسب، وإنما لأنها استطاعت أن تنتج وعيًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز ردود الأفعال إلى البحث عن تصور جديد للدولة والمواطنة والعدالة. فالقضايا التي تعيش على الشعارات وحدها تذبل مع الزمن، أما القضايا التي تنتج فكراً فإنها تكتسب قدرة أكبر على البقاء، لأنها تنتقل من الانفعال إلى الرؤية، ومن الاحتجاج إلى المشروع.
غير أن التاريخ يقدم درسًا لا يقل أهمية؛ فالمعاناة وحدها لا تمنح الشرعية، كما أن عدالة القضية لا تكفي، بذاتها، لضمان نجاحها. لقد عرفت الإنسانية شعوبًا بقيت أسيرة آلامها حتى استنزفتها الذاكرة، وعرفت شعوبًا أخرى جعلت من جراحها نقطة انطلاق نحو بناء دول أكثر استقرارًا وعدلًا. والفارق لم يكن في حجم الألم، بل في القدرة على تحويله إلى مشروع سياسي وأخلاقي يفتح أبواب المستقبل بدلاً من أن يبقى سجين الماضي.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بما جرى في التاريخ، وإنما بما ينبغي أن يكون عليه المستقبل. فالدولة ليست غاية في ذاتها، وليست مجرد رمز للسيادة، وإنما إطار أخلاقي وقانوني يحفظ كرامة الإنسان، ويصون الحقوق، ويضمن تداول المسؤولية، ويؤسس لمجتمع تكون فيه المواطنة وسيادة القانون فوق اعتبارات القوة والإقصاء.
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. فالحرب المستمرة في اليمن لم تعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب، بل أصبحت جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي. كما أن التهديدات التي طالت الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب أعادت لفت أنظار العالم إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة، وإلى أن استقرارها لم يعد مصلحة محلية فحسب، بل مصلحة عربية ودولية ترتبط بأمن التجارة العالمية وسلامة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي قلب هذه الجغرافيا يقف الجنوب، لا باعتباره مساحة على الخريطة فحسب، بل بوصفه نقطة التقاء بين التاريخ والجغرافيا والمصالح الدولية. وهذا الموقع يمنح أي مشروع سياسي جنوبي بعدًا يتجاوز حدوده المحلية؛ إذ لم يعد النجاح يقاس فقط بقدرته على التعبير عن الإرادة الشعبية، وإنما أيضًا بقدرته على بناء مؤسسات فاعلة، وترسيخ سيادة القانون، والإسهام في حماية الاستقرار، والتعامل بمسؤولية مع الموقع الاستراتيجي الذي يحتله الجنوب في معادلات الأمن الإقليمي.
كما أن التحولات التي تشهدها العلاقات بين القوى العربية الفاعلة، وما تفرضه تحديات الأمن الإقليمي من تنسيق وتفاهم في عدد من الملفات، تؤكد أن مستقبل أي مشروع وطني لن يتحدد بإرادته الداخلية وحدها، بل أيضًا بمدى قدرته على بناء علاقات متوازنة مع محيطه العربي، والانفتاح على المجتمع الدولي من موقع الشراكة والمسؤولية، لا من موقع الصراع الدائم.
إن الجغرافيا قد تمنح الشعوب موقعًا متميزًا، لكنها لا تمنحها النجاح. فالنجاح تصنعه المؤسسات، ويصنعه القانون، وتصنعه القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى عنصر استقرار وتنمية، لا إلى ساحة صراع. وهذه هي المهمة التاريخية التي تواجه كل مشروع يسعى إلى بناء دولة في الجنوب؛ أن يقدم نفسه بوصفه مشروعًا للسلام والاستقرار والعدالة، لا مجرد استجابة لمظالم الماضي.
لقد كتب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أن الذاكرة تكتسب معناها الحقيقي عندما تصبح جسرًا نحو المستقبل، لا سجنًا للماضي. ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمام القضية الجنوبية اليوم؛ أن تظل وفية لذاكرتها، من دون أن تتحول تلك الذاكرة إلى قيد يمنعها من رؤية آفاق المستقبل.
فالأمم لا تدخل التاريخ لأنها عانت، وإنما لأنها أحسنت تحويل معاناتها إلى مشروع. والألم لا يمنح الشرعية بقدر ما يمنحها الوعي، والدولة لا تُبنى بالذاكرة وحدها، بل بالرؤية والمؤسسات والقدرة على إنتاج الأمن والاستقرار. وإذا كانت الجغرافيا قد منحت الجنوب موقعًا استثنائيًا على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، فإن التاريخ يضع أمام أبنائه مسؤولية استثنائية أيضًا؛ مسؤولية بناء دولة تكون امتدادًا لتطلعات شعبها، وشريكًا في أمن محيطها العربي، وعنصرًا للاستقرار في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من الحروب والاضطرابات.
ذلك أن التاريخ يصنع الوقائع، أما الوعي فهو الذي يصنع مصير الشعوب. وحين يتحول الألم إلى وعي، ويتحول الوعي إلى مشروع دولة، تصبح القضية أكبر من أن تكون مطالبة بحق، وأعمق من أن تكون مجرد استعادة للماضي؛ إنها تصبح رؤية للمستقبل، ومسؤولية تجاه الإنسان والوطن والمنطقة بأسرها.
ولعل هذه الحقيقة هي ما يجعل القضية الجنوبية، في نظر مؤيديها، تتجاوز كونها خلافًا سياسيًا أو نزاعًا على السلطة، لتغدو تجربة تاريخية أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الجمعي لأبناء الجنوب. فهي ليست مجرد سردية عن الماضي، بل محاولة مستمرة للإجابة عن سؤال الهوية والمصير، وعن العلاقة بين الإنسان وأرضه، وبين المجتمع وتاريخه.
يذهب الفيلسوف الألماني هيغل إلى أن التاريخ ليس مجرد تعاقب للأحداث، بل هو مسار يتطور فيه الوعي الإنساني. وإذا صح هذا المعنى، فإن القيمة الحقيقية لأي قضية لا تكمن في حجم ما تعرضت له من معاناة، بل في قدرتها على تحويل تلك المعاناة إلى إدراك جديد للذات وللمستقبل. ومن هذا المنظور، يمكن فهم استمرار حضور القضية الجنوبية في وجدان كثير من أبناء الجنوب؛ ليس لأنها ذكرى لماضٍ مضى، وإنما لأنها أصبحت، بالنسبة إليهم، جزءًا من تعريفهم لأنفسهم، ولصورتهم عن المستقبل الذي يتطلعون إليه.
إن الشعوب لا تُبنى على الانتصارات وحدها، بل على الطريقة التي تقرأ بها إخفاقاتها أيضًا. فالمحن قد تكسر المجتمعات، وقد توقظها. والفرق بين الحالتين هو الوعي. فالوعي لا يعيش أسيرًا للذاكرة، بل يجعل منها مادة للتأمل، ومصدرًا لإعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر نضجًا وعدلًا.
ولذلك، فإن القضية الجنوبية، في نظر أنصارها، لم تستمر لأنها ترفض نسيان الماضي فحسب، وإنما لأنها استطاعت أن تنتج وعيًا سياسيًا وأخلاقيًا يتجاوز ردود الأفعال إلى البحث عن تصور جديد للدولة والمواطنة والعدالة. فالقضايا التي تعيش على الشعارات وحدها تذبل مع الزمن، أما القضايا التي تنتج فكراً فإنها تكتسب قدرة أكبر على البقاء، لأنها تنتقل من الانفعال إلى الرؤية، ومن الاحتجاج إلى المشروع.
غير أن التاريخ يقدم درسًا لا يقل أهمية؛ فالمعاناة وحدها لا تمنح الشرعية، كما أن عدالة القضية لا تكفي، بذاتها، لضمان نجاحها. لقد عرفت الإنسانية شعوبًا بقيت أسيرة آلامها حتى استنزفتها الذاكرة، وعرفت شعوبًا أخرى جعلت من جراحها نقطة انطلاق نحو بناء دول أكثر استقرارًا وعدلًا. والفارق لم يكن في حجم الألم، بل في القدرة على تحويله إلى مشروع سياسي وأخلاقي يفتح أبواب المستقبل بدلاً من أن يبقى سجين الماضي.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بما جرى في التاريخ، وإنما بما ينبغي أن يكون عليه المستقبل. فالدولة ليست غاية في ذاتها، وليست مجرد رمز للسيادة، وإنما إطار أخلاقي وقانوني يحفظ كرامة الإنسان، ويصون الحقوق، ويضمن تداول المسؤولية، ويؤسس لمجتمع تكون فيه المواطنة وسيادة القانون فوق اعتبارات القوة والإقصاء.
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. فالحرب المستمرة في اليمن لم تعد شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب، بل أصبحت جزءًا من معادلات الأمن الإقليمي. كما أن التهديدات التي طالت الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب أعادت لفت أنظار العالم إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة، وإلى أن استقرارها لم يعد مصلحة محلية فحسب، بل مصلحة عربية ودولية ترتبط بأمن التجارة العالمية وسلامة أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي قلب هذه الجغرافيا يقف الجنوب، لا باعتباره مساحة على الخريطة فحسب، بل بوصفه نقطة التقاء بين التاريخ والجغرافيا والمصالح الدولية. وهذا الموقع يمنح أي مشروع سياسي جنوبي بعدًا يتجاوز حدوده المحلية؛ إذ لم يعد النجاح يقاس فقط بقدرته على التعبير عن الإرادة الشعبية، وإنما أيضًا بقدرته على بناء مؤسسات فاعلة، وترسيخ سيادة القانون، والإسهام في حماية الاستقرار، والتعامل بمسؤولية مع الموقع الاستراتيجي الذي يحتله الجنوب في معادلات الأمن الإقليمي.
كما أن التحولات التي تشهدها العلاقات بين القوى العربية الفاعلة، وما تفرضه تحديات الأمن الإقليمي من تنسيق وتفاهم في عدد من الملفات، تؤكد أن مستقبل أي مشروع وطني لن يتحدد بإرادته الداخلية وحدها، بل أيضًا بمدى قدرته على بناء علاقات متوازنة مع محيطه العربي، والانفتاح على المجتمع الدولي من موقع الشراكة والمسؤولية، لا من موقع الصراع الدائم.
إن الجغرافيا قد تمنح الشعوب موقعًا متميزًا، لكنها لا تمنحها النجاح. فالنجاح تصنعه المؤسسات، ويصنعه القانون، وتصنعه القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى عنصر استقرار وتنمية، لا إلى ساحة صراع. وهذه هي المهمة التاريخية التي تواجه كل مشروع يسعى إلى بناء دولة في الجنوب؛ أن يقدم نفسه بوصفه مشروعًا للسلام والاستقرار والعدالة، لا مجرد استجابة لمظالم الماضي.
لقد كتب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور أن الذاكرة تكتسب معناها الحقيقي عندما تصبح جسرًا نحو المستقبل، لا سجنًا للماضي. ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمام القضية الجنوبية اليوم؛ أن تظل وفية لذاكرتها، من دون أن تتحول تلك الذاكرة إلى قيد يمنعها من رؤية آفاق المستقبل.
فالأمم لا تدخل التاريخ لأنها عانت، وإنما لأنها أحسنت تحويل معاناتها إلى مشروع. والألم لا يمنح الشرعية بقدر ما يمنحها الوعي، والدولة لا تُبنى بالذاكرة وحدها، بل بالرؤية والمؤسسات والقدرة على إنتاج الأمن والاستقرار. وإذا كانت الجغرافيا قد منحت الجنوب موقعًا استثنائيًا على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، فإن التاريخ يضع أمام أبنائه مسؤولية استثنائية أيضًا؛ مسؤولية بناء دولة تكون امتدادًا لتطلعات شعبها، وشريكًا في أمن محيطها العربي، وعنصرًا للاستقرار في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من الحروب والاضطرابات.
ذلك أن التاريخ يصنع الوقائع، أما الوعي فهو الذي يصنع مصير الشعوب. وحين يتحول الألم إلى وعي، ويتحول الوعي إلى مشروع دولة، تصبح القضية أكبر من أن تكون مطالبة بحق، وأعمق من أن تكون مجرد استعادة للماضي؛ إنها تصبح رؤية للمستقبل، ومسؤولية تجاه الإنسان والوطن والمنطقة بأسرها.


















