> د. سعيد شرياف:

​في المقال السابق، وصلنا إلى سؤال مهم: كيف نبني دولة جنوبية يتسع فيها الوطن للجميع، وتكون العدالة أساسًا للمصالحة، والمصالحة طريقًا إلى الاستقرار؟

وقبل ذلك تحدثنا عن أهمية بناء المؤسسات، وعن أن الدولة لا يمكن أن تقوم على الأشخاص وحدهم، مهما كانت مكانتهم أو تضحياتهم.

لكن الدولة لا تُبنى فقط بتحديد من يحكم، ولا بكيفية اختيار المسؤولين.

هناك سؤال لا يقل أهمية:

أين تُتخذ القرارات؟

ومن يقرر في شؤون الناس اليومية؟

وكيف نضمن أن تكون الدولة قريبة من المواطن، لا بعيدة عنه؟

هنا نصل إلى قضية أساسية في مستقبل الجنوب:

المركزية واللامركزية.

لكن قبل الدخول في تفاصيلها، علينا أن نتذكر حقيقة جوهرية:

الجنوب ليس كتلة جغرافية أو اجتماعية متجانسة.

إنه وطن واسع ومتعدد الجغرافيا والتاريخ والمجتمع والموارد والتجارب السياسية.

من عدن إلى حضرموت، ومن المهرة إلى شبوة وأبين ولحج والضالع، مرورًا بسقطرى وغيرها من مناطق الجنوب، توجد خصوصيات محلية لا يمكن تجاهلها عند التفكير في شكل الدولة وإدارتها.

وهذه الخصوصيات ليست عيبًا ينبغي التخلص منه، بل يمكن أن تكون مصدر قوة إذا أحسنا إدارتها.

الجنوب المتعدد لا يحتاج إلى دولة مفككة

عندما نتحدث عن اللامركزية، قد يتبادر إلى ذهن البعض أنها تعني إضعاف الدولة أو تقسيمها إلى كيانات منفصلة.

وهذا فهم يحتاج إلى مراجعة.

فاللامركزية ليست غياب الدولة، بل قد تكون وسيلة لجعل الدولة أكثر حضورًا في حياة الناس.

الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي تحتفظ بكل الصلاحيات في العاصمة.

الدولة القوية هي التي تعرف ما الذي يجب أن يبقى من اختصاص المركز، وما الذي يمكن أن يدار محليًا بكفاءة أكبر.

هناك قضايا تتطلب دولة واحدة وقرارًا وطنيًا واحدًا، مثل الدفاع والسياسة الخارجية والعملة والسياسة النقدية والأمن القومي وبعض التشريعات السيادية.

لكن هناك قضايا أخرى ترتبط مباشرة بحياة المواطن اليومية، مثل التعليم والصحة والخدمات المحلية والتخطيط العمراني والطرق المحلية والتنمية والاستثمار، وهي ملفات قد تكون السلطات المحلية أقدر على فهم تفاصيلها واحتياجاتها.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط:

مركزية أم لامركزية؟

بل:

ما الصلاحيات التي يجب أن تكون مركزية؟ وما الصلاحيات التي ينبغي أن تنتقل إلى المستوى المحلي؟

الجغرافيا ليست تفصيلًا إداريًا

عند بناء الدولة، لا يمكن أن نتعامل مع الخريطة باعتبارها مجرد خطوط مرسومة على الورق.

الجغرافيا تؤثر في السياسة والاقتصاد والتنمية.

هناك مناطق ساحلية، ومناطق جبلية، ومناطق صحراوية، ومناطق زراعية، وجزر، ومدن وموانئ، ومناطق نفط وغاز وثروة سمكية، ومواقع ذات أهمية استراتيجية.

ولكل منطقة احتياجاتها المختلفة.

ما يصلح لمدينة ساحلية قد لا يصلح لمنطقة صحراوية، وما تحتاجه محافظة ذات كثافة سكانية عالية قد يختلف عن احتياجات محافظة واسعة المساحة قليلة السكان.

ولهذا فإن العدالة لا تعني بالضرورة أن نعطي الجميع الشيء نفسه.

العدالة أحيانًا تعني أن نعطي كل منطقة ما تحتاجه لكي تحصل على فرصة عادلة.

وهذه نقطة أساسية في تصميم الدولة.

خصوصية المحافظات يجب أن تكون جزءًا من الحل

إذا كنا نريد دولة مستقرة، فلا ينبغي أن ننظر إلى خصوصية المحافظات باعتبارها مشكلة سياسية يجب تجاوزها.

بل يجب أن تكون جزءًا من تصميم الدولة نفسها.

فحضرموت لها خصوصية تاريخية وجغرافية واجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.

والمهرة لها موقعها الجغرافي وتركيبتها الاجتماعية وامتداداتها التاريخية.

وشبوة لها طبيعتها ومواردها وتجربتها.

وسقطرى لها خصوصيتها البيئية والجغرافية والمجتمعية الاستثنائية.

وعدن لها تاريخها ومكانتها كمدينة وميناء ومركز تجاري وثقافي وسياسي.

كما أن لأبين ولحج والضالع وغيرها من محافظات ومناطق الجنوب خصوصيات وتجارب تستحق أن تكون حاضرة في أي نقاش جاد حول المستقبل.

لكن الاعتراف بهذه الخصوصيات لا يعني تحويل كل محافظة إلى دولة، بل يعني أن تكون الدولة قادرة على استيعاب الاختلاف داخل إطار وطني واحد.

الدولة الناجحة ليست التي تلغي الخصوصيات، وإنما التي تنظمها.

اللامركزية ليست توزيعًا للمكاتب

هناك خطأ آخر يجب تجنبه.

فاللامركزية لا تعني أن ننقل بعض المكاتب الحكومية من العاصمة إلى المحافظات، ثم نقول إننا حققنا اللامركزية.

هذا مجرد توزيع جغرافي للإدارة.

اللامركزية الحقيقية تعني وجود صلاحيات واضحة، وموارد مالية، ومؤسسات محلية فاعلة وخاضعة للمساءلة، وقدرة حقيقية على اتخاذ القرار.

لا معنى لمحافظة تملك مجلسًا محليًا، لكنها لا تستطيع اتخاذ قرار دون الرجوع إلى المركز.

ولا معنى لسلطة محلية تتحمل مسؤولية الخدمات دون أن تملك الموارد اللازمة لتقديمها.

ولهذا فإن اللامركزية يجب أن تقوم على ثلاثة أركان مترابطة:

الصلاحية، والموارد، والمساءلة.

إذا أعطيت السلطة المحلية صلاحيات بلا موارد أصبحت عاجزة، وإذا أعطيتها موارد بلا رقابة أصبح الباب مفتوحًا للفساد، وإذا فرضت عليها الرقابة دون صلاحيات أصبحت مجرد منفذ لتعليمات المركز.

المطلوب هو التوازن.

من يملك الموارد؟

وهنا نصل إلى أكثر الملفات حساسية:

الثروة.

فلا يمكن الحديث عن اللامركزية بجدية دون الحديث عن توزيع الموارد.

الجنوب يمتلك موارد متنوعة، لكنها ليست موزعة بالتساوي بين المحافظات.

هناك النفط والغاز، والثروة السمكية، والموانئ، والزراعة، والثروة الحيوانية، والمناطق الصناعية، والمواقع السياحية والاستراتيجية وغيرها.

ومن الطبيعي أن تطرح كل منطقة سؤالًا مشروعًا:

ما نصيبها من مواردها؟

وهنا يجب أن تكون الإجابة قائمة على قواعد واضحة، لا على المساومات السياسية.

فالثروة ليست ملكًا لمحافظة وحدها، كما أنها ليست ملكًا للمركز وحده.

هناك فرق بين ملكية الموارد وبين الاستفادة العادلة منها.

يمكن أن تكون الموارد ملكًا عامًا للدولة، لكن جزءًا من عائداتها يجب أن يعود إلى المناطق المنتجة أو المتأثرة بها، وفق معايير دستورية وقانونية واضحة.

وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون هناك نظام وطني للتوزيع يضمن ألا تصبح المحافظة الأقل موارد محرومة من التنمية والخدمات.

وهنا نصل إلى معادلة مهمة:

لا نريد أن تتحول الموارد إلى سبب للصراع بين المحافظات، بل إلى وسيلة للتكامل بينها.

العدالة في توزيع الثروة لا تعني الحساب البسيط

قد يقول البعض:

إذا كانت محافظة تنتج النفط، فلماذا تذهب عائداته إلى غيرها؟

والسؤال مشروع، لكن الإجابة تحتاج إلى رؤية أوسع.

الدولة الحديثة لا تعمل بمنطق أن هذه الثروة لنا وحدنا، وتلك الثروة لكم وحدكم، وإلا تحول الوطن إلى مجموعة حسابات منفصلة.

لكنها في الوقت نفسه لا تعمل بمنطق أن كل شيء للمركز، والمركز يقرر لاحقًا من يستحق.

بين النموذجين توجد مساحة للعدالة.

يمكن أن يكون هناك نظام وطني للإيرادات، وحصة عادلة للمحافظات المنتجة، وموارد مخصصة للتنمية المحلية، وآلية لدعم المحافظات الأقل موارد.

المهم أن تكون القواعد معلنة وثابتة.

فالمواطن يستطيع قبول نتيجة قد لا تعجبه إذا كان يعرف أن القانون يطبق على الجميع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر أن توزيع الثروة يتغير حسب القوة السياسية.

القاعدة العادلة أقوى من التسوية المؤقتة.

المركز لا ينبغي أن يكون خصمًا للمحافظات

من الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها أي دولة جديدة أن تنظر إلى السلطات المحلية باعتبارها منافسًا للمركز.

المحافظة ليست خصمًا للحكومة المركزية، والحكم المحلي ليس تمردًا على الدولة.

بل هو أحد مستويات الدولة.

إذا كانت الدولة المركزية مسؤولة عن القضايا السيادية الكبرى، فإن السلطات المحلية تكون شريكًا في إدارة شؤون الناس.

وهنا نحتاج إلى تغيير ثقافة إدارية كاملة.

بدل أن يسأل المسؤول المحلي:

ماذا تريد مني العاصمة أن أفعل؟

ينبغي أن يصبح السؤال:

ما الذي يحتاجه المواطن، وما الذي أستطيع فعله ضمن القانون؟

هذا التحول يعني الانتقال من دولة الأوامر إلى دولة المؤسسات.

لا مركزية بلا مواطنة

لكن اللامركزية تحمل خطرًا آخر إذا لم تُبنَ على أسس وطنية.

فإذا أصبحت السلطة المحلية امتيازًا لقبيلة أو منطقة أو عائلة أو جماعة سياسية، فإننا لم نبنِ دولة محلية، بل نقلنا مشكلة المركز إلى مستوى أصغر.

ولهذا يجب أن تقوم الإدارة المحلية على المواطنة المتساوية.

لا ينبغي أن يشعر المواطن في أي محافظة أنه أقل من غيره بسبب منطقته أو أصله أو انتمائه الاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تتحول الخصوصية المحلية إلى ذريعة لفرض هيمنة فئة على بقية المجتمع المحلي.

فاللامركزية تعني تقريب القرار من المواطن، وليس تسليم القرار إلى نخبة محلية مغلقة.

الإدارة المحلية تحتاج إلى كفاءات

وهنا تعود بنا القضية إلى المقال الأول في هذه السلسلة.

إذا كانت الدولة ستمنح المحافظات صلاحيات واسعة، فإنها تحتاج إلى كوادر قادرة على إدارة هذه الصلاحيات.

لا يكفي أن نغير المحافظ أو المدير أو المسؤول.

نحتاج إلى بناء جهاز إداري محلي محترف:

مهندسون، وأطباء، واقتصاديون، ومخططون، وقانونيون، وإداريون، ومتخصصون في المالية العامة والموارد والمياه والبيئة والطاقة والتنمية.

فالدولة لا تُدار بالشعارات، والمحافظة لا تستطيع إدارة مواردها إذا لم تمتلك المعرفة والقدرة المؤسسية.

ولهذا فإن بناء الإدارة المحلية يجب أن يكون جزءًا من مشروع بناء الدولة، وليس مشروعًا ثانويًا.

ماذا عن العاصمة عدن؟

وعندما نتحدث عن توزيع السلطة، لا يمكن أن نتجاوز عدن.

عدن ليست مجرد محافظة أخرى.

لها تاريخها ومكانتها وميناؤها ودورها التجاري والثقافي والسياسي، وقد ارتبط اسمها تاريخيًا بفكرة المدينة المفتوحة على العالم.

ولهذا فإن التفكير في وضع عدن داخل الدولة القادمة يحتاج إلى رؤية خاصة تراعي طبيعتها الحضرية والاقتصادية والاستراتيجية.

قد تحتاج العاصمة السياسية أو الاقتصادية إلى ترتيبات مختلفة عن بقية المحافظات.

لكن المهم ألا تتحول خصوصية عدن إلى مركزية جديدة.

فوجود العاصمة في مدينة لا يعني أن كل شيء يجب أن يتركز فيها.

العاصمة يجب أن تكون مركزًا للدولة، لا مركزًا يحتكر الدولة.

والجنوب لا يحتاج إلى مركز جديد

إذا خرج الجنوب من تجربة طويلة مع المركزية، فلا ينبغي أن تكون النتيجة مجرد نقل المركز من مكان إلى آخر.

لا نريد مركزية جديدة بأسماء جديدة.

ولا نريد أن تنتقل السلطة إلى عاصمة جديدة، ثم تظل المحافظات تنتظر قرارات المركز.

المطلوب ليس تغيير عنوان المركز.

المطلوب تغيير فلسفة الحكم.

أن تصبح الدولة شبكة مؤسسات متكاملة، يكون فيها المركز قويًا في اختصاصاته، والمحافظات قوية في اختصاصاتها، والمواطن هو المستفيد النهائي من هذا التوازن.

الفيدرالية ليست كلمة سحرية

قد يقودنا الحديث عن اللامركزية إلى كلمة أخرى كثيرًا ما تُطرح في النقاش السياسي:

الفيدرالية.

لكن من المهم ألا نتعامل معها باعتبارها حلًا سحريًا لكل المشكلات.

الفيدرالية نظام سياسي ودستوري له أشكال متعددة، وتجارب الدول فيه مختلفة.

وما يصلح لدولة قد لا يصلح لأخرى.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:

هل نريد اسمًا معينًا للنظام؟

بل:

ما النظام الذي يضمن المشاركة، والعدالة، والاستقرار، وحماية الخصوصيات المحلية، وبناء دولة جنوبية متماسكة؟

يمكن أن نختلف على المصطلح، لكن يجب ألا نختلف على المبادئ التي نبحث عنها.

نريد دولة تمنع احتكار السلطة.

نريد توزيعًا عادلًا للثروة.

نريد صلاحيات محلية حقيقية.

نريد رقابة ومساءلة.

نريد قضاءً مستقلًا.

ونريد ضمانات دستورية تمنع أي طرف من الانفراد بالدولة.

لا مركزية بلا دستور واضح

كل ذلك يقودنا إلى نقطة جوهرية:

توزيع السلطة يجب ألا يكون خاضعًا لمزاج الحكومات.

إذا كانت صلاحيات المحافظات يمكن أن تنتزع بقرار إداري، فإن اللامركزية ستظل ضعيفة.

أما إذا حُددت الصلاحيات والموارد والعلاقة بين المركز والمحليات في الدستور والقانون، فإنها تصبح جزءًا من بنية الدولة.

ولهذا يجب أن يكون الدستور واضحًا في الإجابة عن أسئلة مثل:

من يملك التشريع؟

من يدير الموارد؟

كيف توزع الإيرادات؟

ما صلاحيات المركز؟

وما صلاحيات المحافظات؟

كيف تنتخب السلطات المحلية؟

كيف تُراقب؟

ومن يفصل في النزاع بين المركز والمحافظات؟

هذه ليست تفاصيل فنية.

إنها الأسئلة التي تمنع عودة الصراع السياسي إلى الشارع.

الدولة التي توزع السلطة تقلل الحاجة إلى الصراع

كلما كانت السلطة مركزة، أصبح الوصول إليها مسألة حياة أو موت سياسي.

فإذا كان المركز يملك كل شيء، سيصبح الصراع على المركز صراعًا على كل شيء.

أما عندما توزع الصلاحيات، فإن خسارة طرف للسلطة المركزية لا تعني أنه خسر كل قدرته على خدمة مجتمعه.

وهنا تصبح الديمقراطية أكثر قابلية للحياة.

قد يخسر حزب الانتخابات، لكنه يستطيع أن يعمل في المجالس المحلية.

وقد تتغير الحكومة، لكن المدارس والمستشفيات والبلديات والمؤسسات تستمر.

وهذا هو معنى الدولة:

أن تستمر الحياة العامة حتى عندما تتغير السياسة.

التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة

ربما آن الأوان لأن نغير نظرتنا إلى تنوع الجنوب.

فبدل أن نسأل:

كيف نوحد مناطق مختلفة؟

يمكن أن نسأل:

كيف نجعل اختلاف هذه المناطق مصدر قوة لدولة واحدة؟

المهرة يمكن أن تضيف إلى الدولة خبرتها وموقعها وخصوصيتها.

وحضرموت يمكن أن تضيف تجربتها ومواردها ومكانتها التاريخية.

وعدن يمكن أن تضيف موقعها الحضري والتجاري والثقافي.

وشبوة يمكن أن تضيف مواردها وموقعها.

وسقطرى يمكن أن تضيف ثروتها البيئية ومكانتها الطبيعية.

وأبين ولحج والضالع وغيرها من المحافظات والمناطق يمكن أن تسهم بخصوصياتها ومواردها وتجاربها.

الدولة العاقلة لا تطلب من هذه المناطق أن تتخلى عن خصوصياتها، بل تبني نظامًا يجعل هذه الخصوصيات تعمل داخل إطار وطني واحد.

الوحدة لا تعني التشابه

الوحدة الوطنية الجنوبية ليست أن يصبح الجميع متشابهين.

الوحدة هي أن يكون الاختلاف آمنًا.

أن يكون المواطن قادرًا على الاعتزاز بمنطقته وتاريخها وثقافتها، دون أن يشعر أن ذلك ينتقص من انتمائه الوطني.

وأن تكون المحافظة قادرة على إدارة شؤونها، دون أن يعني ذلك خروجها من الدولة.

وأن يكون المركز قادرًا على أداء وظائفه السيادية، دون أن يعني ذلك هيمنته على تفاصيل الحياة المحلية.

هذه هي المعادلة التي نحتاجها:

دولة واحدة، ومجتمعات محلية متعددة، ومواطنة متساوية.

من دولة المركز إلى دولة المواطن

ربما يكون هذا هو الهدف الحقيقي من اللامركزية.

ليس أن نزيد عدد المسؤولين، ولا أن نغير أسماء المؤسسات، ولا أن ننقل بعض الاختصاصات على الورق.

بل أن ننتقل من:

دولة المركز

إلى:

دولة المواطن.

الدولة التي يعرف فيها المواطن من المسؤول عن مشكلته، وأين يقدم شكواه، وكيف يحاسب المسؤول، وأين تذهب الإيرادات، وما الذي يملكه المركز وما الذي تملكه السلطة المحلية.

ويعرف أيضًا أن القانون يحميه، سواء كان في عدن أو حضرموت أو المهرة أو شبوة أو أبين أو لحج أو الضالع أو سقطرى أو أي منطقة أخرى.

عندها فقط يصبح المواطن شريكًا في الدولة، وليس مجرد متلقٍ لقراراتها.

الثروة يجب أن تبني جسورًا لا حدودًا

ومن أهم ما يجب أن نتعلمه أن الموارد الطبيعية لا ينبغي أن تصبح سببًا لتقسيم المجتمع.

فالنفط أو الغاز أو الميناء أو الثروة السمكية أو الأرض الزراعية ليست غنائم سياسية.

إنها موارد وطنية يجب أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومياه وكهرباء وفرص عمل وتنمية.

وفي الوقت نفسه، فإن المحافظة التي تتحمل آثار استخراج الموارد أو تستضيف منشآتها يجب ألا تشعر أنها تدفع الثمن بينما تذهب الفوائد إلى مكان آخر.

لذلك نحتاج إلى عقد وطني جديد حول الثروة:

لا احتكار للمركز، ولا إغلاق للمحافظات على مواردها، بل توزيع عادل وشفاف يحقق مصلحة الجميع.

الدولة التي نريدها لا تخاف من المحافظات

الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى أن تمنح المحافظات صلاحيات.

بل تعرف أن توزيع السلطة يجعل الدولة أكثر استقرارًا.

والدولة التي تخشى من كل صلاحية محلية ستبقى مضطرة إلى إدارة كل شيء من المركز.

وهذا يرهق المركز، ويضعف المحافظات، ويجعل المواطن بعيدًا عن القرار.

أما الدولة التي تثق بمؤسساتها، فتستطيع أن تمنح المحافظات مساحة واسعة للعمل، لأنها تملك قضاءً ورقابةً وتشريعًا ومؤسسات قادرة على ضبط العلاقة.

القوة ليست في احتكار القرار، بل في القدرة على توزيع القرار دون أن تفقد الدولة تماسكها.

والسؤال الذي ينتظرنا

إذا اتفقنا على أن الجنوب متعدد في جغرافيته ومجتمعه وتاريخه وموارده، وأن هذه الخصوصيات يجب أن تجد مكانها داخل الدولة، فإن السؤال التالي يصبح أكثر تحديدًا:

كيف نصمم نظامًا عادلًا لتوزيع السلطة والثروة؟

كيف نضمن أن تحصل المحافظة المنتجة على حقها دون أن نحرم المحافظات الأخرى؟

كيف نمنع الفساد المحلي كما نمنع الفساد المركزي؟

كيف نختار القيادات المحلية؟

هل تكون المحافظات متساوية في الصلاحيات، أم تحتاج بعض المناطق إلى ترتيبات خاصة بسبب خصوصيتها؟

كيف نحمي عدن من أن تتحول إلى مركزية جديدة؟

وكيف نحمي حضرموت والمهرة وسقطرى وبقية المحافظات من أن تتحول خصوصياتها إلى أسباب للصراع؟

ثم يأتي السؤال الأكبر:

ما شكل الدولة الذي يستطيع أن يجمع كل ذلك في إطار دستوري واحد؟

ربما يكون هذا هو موضوع حديثنا القادم:

من يبني الدولة الجنوبية؟ حين يصبح الدستور عقدًا بين الجميع.

فالدستور ليس مجرد نص قانوني.

إنه الاتفاق الذي يقول لكل مواطن:

هذه دولتك.

وهذه حقوقك.

وهذه مسؤولياتك.

وهذه حدود سلطة الحاكم.

وهذه ضماناتك إذا تغير الحاكم.

وإذا نجحنا في الوصول إلى عقد دستوري يشعر معه أبناء الجنوب، بمختلف مناطقهم ومحافظاتهم وتاريخهم وخصوصياتهم، أنهم شركاء حقيقيون في وطن واحد، فإننا لن نكون قد بنينا نظامًا سياسيًا فقط.

بل نكون قد بدأنا بالفعل في بناء الدولة التي حلم بها الجميع.

جنوب متنوع في جغرافيته وتاريخه ومجتمعه، موحد في مواطنته، وعادل في سلطته وثروته… ودولة تكون للجميع .