> سارة عبدالقادر:
بينما لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر أجندة الأمن الأوروبي، برز البحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة باعتباره أحد أكثر الملفات إلحاحًا بالنسبة للعواصم الأوروبية، ليس بسبب أبعاده العسكرية فحسب، وإنما لتأثيره المباشر على الاقتصاد وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة.
ومع تجدد هجمات الحوثيين على السفن التجارية، تحولت مهمة "أسبيدس (ASPIDES)" من عملية حماية للملاحة إلى اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه الاستراتيجية بعيدًا عن المظلة الأمريكية.
وخلال زيارتها إلى مقر عملية "أسبيدس" في جيبوتي خلال يوليو 2026، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن أمن البحر الأحمر أصبح "مصلحة أوروبية مباشرة"، مشيرة إلى أن الاتحاد يدرس توسيع تفويض العملية ليشمل مواجهة الألغام البحرية وتعزيز حماية خطوط الملاحة، في ظل استمرار التهديدات التي تطال السفن التجارية.
ووفقًا للمجلس الأوروبي، جرى بالفعل تمديد وتحديث ولاية عملية "أسبيدس" بالتوازي مع تحديث مهمة "أتالانتا"، بما يمنح القادة العسكريين الأوروبيين صلاحيات أوسع للتعامل مع التهديدات البحرية المتزايدة.
باب المندب.. شريان اقتصادي لا يمكن تعويضه
وتؤكد المفوضية الأوروبية وبيانات الاتحاد الأوروبي أن ما بين 10 و15 % من التجارة البحرية العالمية يمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما تعبر من خلاله نسبة كبيرة من واردات الطاقة المتجهة إلى أوروبا.
ووفقًا لتقرير نشرته قناة "يورونيوز"، فإن اضطرار السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 و20 يومًا إلى زمن الرحلات البحرية، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بصورة كبيرة، وهو ما انعكس بالفعل على أسعار السلع وسلاسل التوريد الأوروبية.
ولا يرى المسؤولون الأوروبيون أن البحر الأحمر يحل محل أوكرانيا في سلم الأولويات، لكنهم يعتبرون أن طبيعة المخاطر مختلفة. فالحرب الأوكرانية تمثل تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأمن القارة، بينما يشكل اضطراب الملاحة في البحر الأحمر تهديدًا اقتصاديًا يوميًا يمس الشركات والمستهلكين الأوروبيين.
وفي هذا السياق، قال الأدميرال فاسيليوس غريباريس، قائد عملية "أسبيدس"، إن المهمة تمكنت من حماية عشرات السفن التجارية، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من السفن القادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدًا أن الطلبات الواردة من شركات الشحن تتجاوز الإمكانات الحالية للمهمة.
ويرى الباحث جياكومو ليتشيسي، في تحليل نشره مركز الدراسات البحرية الدولية (CIMSEC) أن عملية "أسبيدس" تتجاوز كونها مهمة دفاعية، إذ تمثل محاولة أوروبية لإثبات القدرة على فرض الأمن البحري بشكل مستقل، معتبرًا أن نجاحها سيحدد مستقبل الطموح الأوروبي في لعب دور أمني عالمي بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ويضيف ليتشيسي أن البحر الأحمر أصبح ساحة لاختبار مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، وهو المفهوم الذي تتبناه بروكسل منذ سنوات، لكنه لم يواجه اختبارًا عمليًا بهذا الحجم من قبل.
من جانبه، قال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو لـ "أجانس أوروب"، إن حماية طرق التجارة العالمية أصبحت عنصرًا أساسيًا في الأمن الأوروبي، مؤكدًا أن الحفاظ على حرية الملاحة يتطلب استثمارات عسكرية متزايدة وتعاونًا أكبر بين الدول الأعضاء.
ويتقاطع هذا التقييم مع ما أعلنه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الذي أشار إلى أن الإنفاق العسكري الأوروبي واصل ارتفاعه خلال عام 2026 ليبلغ نحو 454 مليار يورو، مدفوعًا بالحرب في أوكرانيا، إلى جانب تصاعد المخاطر في البحر الأحمر والشرق الأوسط.
وكانت كايا كالاس أكدت "في جيبوتي أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن التوترات الإقليمية الممتدة من غزة إلى مضيق هرمز، مؤكدة أن "انعدام الاستقرار على البر يتحول سريعًا إلى تهديد للملاحة البحرية"، وهو ما يفسر توجه الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز وجوده العسكري في الممرات البحرية الحيوية.
كما حذرت الوكالة الأوروبية للسلامة البحرية (EMSA) في تقييماتها الأخيرة من أن استمرار الهجمات سيزيد من تكاليف النقل البحري ويؤثر على سلاسل الإمداد الأوروبية، خاصة في قطاعات الطاقة والمواد الخام.
رغم تصاعد الاهتمام الأوروبي بالبحر الأحمر، يؤكد محللون أن بروكسل لا تعيد ترتيب أولوياتها على أساس "استبدال" جبهة بأخرى، وإنما توسع مفهوم الأمن الأوروبي ليشمل حماية المصالح الاقتصادية العالمية.
ويقول الباحث جياكومو ليتشيسي، إن أوروبا أصبحت تدرك أن أمنها لا يبدأ عند حدودها الشرقية فقط، بل يمتد إلى الممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارتها، مضيفًا أن نجاح عملية "أسبيدس" سيكون مؤشرًا على قدرة الاتحاد الأوروبي على التحول من قوة اقتصادية إلى فاعل أمني عالمي.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي بات يتعامل مع البحر الأحمر باعتباره جبهة استراتيجية لا تقل أهمية عن الجبهة الشرقية.
فبينما تستمر الحرب في أوكرانيا في استنزاف الموارد العسكرية، أصبح تأمين التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الأوروبي، وهو ما يفسر توسيع مهمة"أسبيدس" وزيادة الإنفاق الدفاعي، في مؤشر على أن أوروبا تستعد للتعامل مع بيئة أمنية تتسم بتعدد الجبهات وتشابك التهديدات.
"إرم نيوز"
ومع تجدد هجمات الحوثيين على السفن التجارية، تحولت مهمة "أسبيدس (ASPIDES)" من عملية حماية للملاحة إلى اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه الاستراتيجية بعيدًا عن المظلة الأمريكية.
وخلال زيارتها إلى مقر عملية "أسبيدس" في جيبوتي خلال يوليو 2026، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن أمن البحر الأحمر أصبح "مصلحة أوروبية مباشرة"، مشيرة إلى أن الاتحاد يدرس توسيع تفويض العملية ليشمل مواجهة الألغام البحرية وتعزيز حماية خطوط الملاحة، في ظل استمرار التهديدات التي تطال السفن التجارية.
ووفقًا للمجلس الأوروبي، جرى بالفعل تمديد وتحديث ولاية عملية "أسبيدس" بالتوازي مع تحديث مهمة "أتالانتا"، بما يمنح القادة العسكريين الأوروبيين صلاحيات أوسع للتعامل مع التهديدات البحرية المتزايدة.
باب المندب.. شريان اقتصادي لا يمكن تعويضه
وتؤكد المفوضية الأوروبية وبيانات الاتحاد الأوروبي أن ما بين 10 و15 % من التجارة البحرية العالمية يمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما تعبر من خلاله نسبة كبيرة من واردات الطاقة المتجهة إلى أوروبا.
ووفقًا لتقرير نشرته قناة "يورونيوز"، فإن اضطرار السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يضيف ما بين 10 و20 يومًا إلى زمن الرحلات البحرية، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بصورة كبيرة، وهو ما انعكس بالفعل على أسعار السلع وسلاسل التوريد الأوروبية.
ولا يرى المسؤولون الأوروبيون أن البحر الأحمر يحل محل أوكرانيا في سلم الأولويات، لكنهم يعتبرون أن طبيعة المخاطر مختلفة. فالحرب الأوكرانية تمثل تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأمن القارة، بينما يشكل اضطراب الملاحة في البحر الأحمر تهديدًا اقتصاديًا يوميًا يمس الشركات والمستهلكين الأوروبيين.
وفي هذا السياق، قال الأدميرال فاسيليوس غريباريس، قائد عملية "أسبيدس"، إن المهمة تمكنت من حماية عشرات السفن التجارية، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من السفن القادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدًا أن الطلبات الواردة من شركات الشحن تتجاوز الإمكانات الحالية للمهمة.
ويرى الباحث جياكومو ليتشيسي، في تحليل نشره مركز الدراسات البحرية الدولية (CIMSEC) أن عملية "أسبيدس" تتجاوز كونها مهمة دفاعية، إذ تمثل محاولة أوروبية لإثبات القدرة على فرض الأمن البحري بشكل مستقل، معتبرًا أن نجاحها سيحدد مستقبل الطموح الأوروبي في لعب دور أمني عالمي بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ويضيف ليتشيسي أن البحر الأحمر أصبح ساحة لاختبار مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، وهو المفهوم الذي تتبناه بروكسل منذ سنوات، لكنه لم يواجه اختبارًا عمليًا بهذا الحجم من قبل.
من جانبه، قال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو لـ "أجانس أوروب"، إن حماية طرق التجارة العالمية أصبحت عنصرًا أساسيًا في الأمن الأوروبي، مؤكدًا أن الحفاظ على حرية الملاحة يتطلب استثمارات عسكرية متزايدة وتعاونًا أكبر بين الدول الأعضاء.
ويتقاطع هذا التقييم مع ما أعلنه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الذي أشار إلى أن الإنفاق العسكري الأوروبي واصل ارتفاعه خلال عام 2026 ليبلغ نحو 454 مليار يورو، مدفوعًا بالحرب في أوكرانيا، إلى جانب تصاعد المخاطر في البحر الأحمر والشرق الأوسط.
وكانت كايا كالاس أكدت "في جيبوتي أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن التوترات الإقليمية الممتدة من غزة إلى مضيق هرمز، مؤكدة أن "انعدام الاستقرار على البر يتحول سريعًا إلى تهديد للملاحة البحرية"، وهو ما يفسر توجه الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز وجوده العسكري في الممرات البحرية الحيوية.
كما حذرت الوكالة الأوروبية للسلامة البحرية (EMSA) في تقييماتها الأخيرة من أن استمرار الهجمات سيزيد من تكاليف النقل البحري ويؤثر على سلاسل الإمداد الأوروبية، خاصة في قطاعات الطاقة والمواد الخام.
رغم تصاعد الاهتمام الأوروبي بالبحر الأحمر، يؤكد محللون أن بروكسل لا تعيد ترتيب أولوياتها على أساس "استبدال" جبهة بأخرى، وإنما توسع مفهوم الأمن الأوروبي ليشمل حماية المصالح الاقتصادية العالمية.
ويقول الباحث جياكومو ليتشيسي، إن أوروبا أصبحت تدرك أن أمنها لا يبدأ عند حدودها الشرقية فقط، بل يمتد إلى الممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارتها، مضيفًا أن نجاح عملية "أسبيدس" سيكون مؤشرًا على قدرة الاتحاد الأوروبي على التحول من قوة اقتصادية إلى فاعل أمني عالمي.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي بات يتعامل مع البحر الأحمر باعتباره جبهة استراتيجية لا تقل أهمية عن الجبهة الشرقية.
فبينما تستمر الحرب في أوكرانيا في استنزاف الموارد العسكرية، أصبح تأمين التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الأوروبي، وهو ما يفسر توسيع مهمة"أسبيدس" وزيادة الإنفاق الدفاعي، في مؤشر على أن أوروبا تستعد للتعامل مع بيئة أمنية تتسم بتعدد الجبهات وتشابك التهديدات.
"إرم نيوز"



















