- قراءة في فرص النجاح والتحديات الاستراتيجية
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الدول المشاركة في هذا التحالف، وإنما بقدرته على معالجة جذور التهديد، لا الاكتفاء باحتواء نتائجه.
فتجربة الحرب اليمنية منذ عام 2015 تؤكد أن امتلاك التفوق العسكري أو تشكيل التحالفات الكبيرة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية، إذا غابت الرؤية الموحدة، وتعددت مراكز القرار، وضعفت إدارة العلاقة مع القوى المحلية القادرة على صناعة الاستقرار.
- من عاصفة الحزم إلى حماية البحر الأحمر
ورغم اختلاف العنوان، فإن مصدر التهديد لا يزال واحداً، وهو جماعة الحوثي وما تمتلكه من قدرات عسكرية صاروخية وبحرية متطورة. وهذا يعني أن نجاح أي تحالف بحري سيظل مرتبطاً بما يجري على اليابسة اليمنية، لأن حماية السفن في عرض البحر لا تكفي إذا بقيت مصادر التهديد ذاتها قائمة على السواحل اليمنية.
- الجنوب.. الورقة الرابحة
وفي هذا الإطار، برزت القوات الجنوبية، التي تلقت دعماً وتأهيلاً وتدريباً عالياً من التحالف، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفها واحدة من أكثر التشكيلات العسكرية احترافية وتنظيماً في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل والمنشآت اليمنية الحيوية. وخلال السنوات الماضية، تراكمت لدى هذه القوات خبرة ميدانية واسعة في إدارة العمليات الأمنية والعسكرية، وفي مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة في مختلف المناطق والمحافظات الجنوبية.
ومن منظور استراتيجي، فإن هذه القوات تمثل إحدى أهم أوراق القوة التي يمكن البناء عليها في أي مشروع لحماية البحر الأحمر، ليس لأنها قوة محلية فحسب، بل لأنها تمتلك المعرفة الجغرافية والخبرة العملياتية والحضور الميداني في أكثر المناطق ارتباطاً بأمن الملاحة الدولية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة أمنية لا تمنح هذه القوة المكانة التي تستحقها، قد تحرم التحالف من أحد أهم عوامل النجاح على الأرض.
- هل أخطأت الرياض في إدارة الملف الجنوبي؟
ولا يقتصر أثر ذلك على الداخل الجنوبي وحده، بل يمتد إلى البيئة الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر، لأن أي تراجع في مستوى التوافق والاستقرار داخل الجنوب ينعكس بصورة مباشرة على أمن السواحل والموانئ، وهي الركائز الأساسية لأي استراتيجية بحرية ناجحة.
- السياسة السعودية تجاه الجنوب
ومن هذا المنطلق، فإن بناء شراكة استراتيجية أكثر رسوخاً مع الجنوب، تقوم على احترام إرادته السياسية، والتعامل الجاد مع تطلعات شعبه وحقه في تقرير مصير مستقبله واستعادة وبناء دولته، لا ينبغي النظر إليه بوصفه تنازلاً سياسياً، بل استثماراً واعياً في أمن المنطقة واستقرارها.
فكلما نجحت المملكة في بناء علاقة تقوم على الثقة والشراكة مع القوى الجنوبية الفاعلة، ازدادت فرص تشكيل جبهة أكثر تماسكاً في مواجهة الحوثيين، وتقلصت مساحة النفوذ الإيراني في اليمن، وتعزز أمن البحر الأحمر وخليج عدن أكثر على المدى الطويل.
- هل يؤثر غياب الإمارات وعُمان على نجاح التحالف؟
فقد كانت الإمارات أحد أبرز أعمدة عاصفة الحزم منذ عام 2015، وأسهمت في بناء وتدريب قوات جنوبية لعبت دوراً مهماً في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل والممرات البحرية، ما يجعل غيابها عن التحالف محل تساؤل لدى كثير من المراقبين. كما تمثل سلطنة عُمان لاعباً إقليمياً مهماً بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها كوسيط دائم مع مختلف الأطراف اليمنية.
وفي ظل ما شهدته العلاقات السعودية الإماراتية من تباينات خلال الفترة الأخيرة، فإن نجاح التحالف سيظل مرتبطاً بقدرته على تعزيز التنسيق بين القوى الإقليمية المؤثرة، والاستفادة من جميع عناصر القوة المتاحة، وفي مقدمتها القوات الجنوبية، باعتبارها شريكاً مهماً في حماية البحر الأحمر ومواجهة التحديات الأمنية.
- هل ينجح التحالف الجديد؟
غير أن نجاحه الاستراتيجي سيظل مرهوناً بعدة عوامل رئيسية، أهمها:
وجود رؤية سياسية وعسكرية موحدة تتجاوز الحلول المؤقتة.
تعزيز التنسيق بين الشركاء الإقليميين، وتجاوز أي تباينات تؤثر في وحدة الجهد والهدف.
الاستفادة من القوى المحلية المؤهلة والفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها القوات الجنوبية، بوصفها شريكاً موثوقاً في منظومة الأمن الإقليمي.
معالجة أسباب وجذور الأزمة اليمنية، لأن أمن البحر الأحمر يبدأ من استقرار اليابسة المطلة عليه، وليس من البحر وحده.
أن البحر الأحمر لا يمكن حمايته بالأساطيل وحدها، وهذا ما أثبتته تجربة السنوات العشر الماضية، كما لا يمكن تأمينه بالتحالفات الدولية وحدها. فالأمن البحري يبدأ من استقرار اليابسة، ومن وجود شركاء محليين قادرين على فرض الأمن، ومن رؤية سياسية تستثمر عناصر القوة بدلاً من إضعافها.
إن الدرس الأكبر الذي قدمته تجربة اليمن خلال العقد الماضي هو أن التحالفات لا تُقاس بعدد الدول المنضوية فيها، بل بقدرتها على بناء شراكات حقيقية مع القوى المؤثرة على الأرض، وبحسن إدارة التوازنات السياسية والعسكرية.
ولذلك، فإن نجاح التحالف البحري الجديد لن يتوقف على حجم القطع البحرية التي ستجوب البحر الأحمر، وإنما على قدرة الرياض وشركائها على استخلاص دروس الماضي، وبناء مقاربة جديدة تعالج أسباب الأزمة قبل الاكتفاء بإدارة نتائجها.
فاستقرار البحر الأحمر يبدأ من استقرار الجنوب واليمن، ومن بناء شراكات سياسية وأمنية مستدامة مع القوى الفاعلة على الأرض، بما يحقق مصالح دول المنطقة، ويحد من تمدد الحوثيين ومشروع إيران، ويؤسس لأمن إقليمي أكثر استقراراً واستدامة.














