في ذاكرة عدن أسماء كثيرة صنعت زمنًا كاملًا، ثم تراجعت في كتب التاريخ وصفحاته حتى كادت تختفي. ومن هذه الأسماء عبدالرحمن جرجرة، الذي لا يستحق أن يُذكر بوصفه وزيرًا سابقًا للمعارف فحسب، بل بوصفه واحدًا من رجال المدينة الذين جمعوا بين الصحافة والسياسة والتعليم وصناعة الوعي.
ولد جرجرة عام 1919م، وبرز مبكرًا في الحياة الثقافية والصحفية بعدن. أسس صحيفة «النهضة»، ثم أصدر «اليقظة» التي أصبحت من الصحف اليومية المعروفة في عدن خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ولم تكن الصحافة بالنسبة إليه مهنة فقط، بل كانت وسيلة للتعبير عن قضايا المدينة والمجتمع وعن رؤيته السياسية. وارتبط اسمه بالحزب الوطني الاتحادي وبالحياة العامة في عدن.
ثم انتقل الرجل من عالم الصحافة إلى العمل العام، وتولى وزارة المعارف في حكومة اتحاد الجنوب العربي. وهنا تبدأ أهميته التي ينبغي أن تستعيدها الذاكرة العدنية.
ومن التفاصيل التي تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في دلالتها، أن جرجرة اتخذ خلال مسؤوليته قرارًا بتحويل عطلة المدارس من يوم الأحد إلى يوم الجمعة. ولم تتوقف المسألة عند المدارس طويلًا، إذ سارت بعدها المكاتب الحكومية على النهج نفسه دون اعتراض من السلطات البريطانية. وقد يبدو القرار إداريًا بسيطًا، لكنه في سياق عدن آنذاك كان يعكس حضورًا واضحًا للإرادة المحلية في تفاصيل الحياة العامة، وقدرة المسؤول العدني على إعادة ترتيب نمط العمل الرسمي في المدينة.
وفي التعليم، لم يكن جرجرة مجرد مسؤول يدير جهازًا حكوميًا. فقد ارتبط اسمه بمشروع تأسيس جامعة أهلية في عدن. ووفقًا لرواية موثقة في أرشيف جامعة عدن، فإن جرجرة عمل عام 1964م على تنسيق مشروع الجامعة مع سلطات الاحتلال البريطاني ومع عدد من وجهاء وشخصيات عدن، وخصص للمشروع مبلغ ثلاثين مليون شلن، على أن يبدأ التنفيذ عام 1965م وتفتتح الجامعة عام 1969م. غير أن التحولات السياسية المتسارعة حالت دون اكتمال المشروع في صورته الأولى.
كما ارتبط اسمه بالتعليم العسكري والنشاط الكشفي والشبابي. وتورد صحيفة «الأيام» أن نظام التدريب العسكري دخل كلية عدن في عهده، وهو ما يكشف عن نظرته إلى التعليم باعتباره إعدادًا للإنسان وتحمل المسؤولية العامة، لا مجرد تحصيل دراسي.
ولم يترك جرجرة الصحافة والسياسة دون أثر مكتوب، فقد عُرف أيضًا بمؤلفه «هذا الجنوب أرضنا الطيبة»، الذي استشهد به باحثون في موضوعات تتصل بجغرافية الجنوب وتاريخه ومجتمعه.
كما أن شقيقته ماهية جرجرة، المعروفة لاحقًا باسم ماهية نجيب، كانت من رائدات الصحافة النسائية في عدن، وهو ما يكشف عن بيئة ثقافية كانت الأسرة جزءًا منها.
رحل جرجرة عام 1973م، بحسب مصادر صحفية، لكن أثره بقي موزعًا بين صفحات الصحف وذاكرة التعليم ووثائق السياسة. وربما آن الأوان لأن تعيد عدن قراءة سيرته بعيدًا عن الاصطفافات السياسية اللاحقة. فالرجل الذي غيّر يوم عطلة مدارسها وحلم بجامعة لها قبل تأسيسها رسميًا بسنوات، يستحق أن يُستعاد اسمه لا باعتباره أثرًا من الماضي، بل شاهدًا على مدينة كانت تفكر في المستقبل.
وهنا تكمن قيمة جرجرة: كان يرى عدن مدينة تستحق المعرفة والصحافة والتعليم والمؤسسة، قبل أن تصبح الكلمات شعارات.