أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:07 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • انتهت النسخة الأولى.. وبدأت النسخة الثانية من الصراع اليمني السعودي

    أ.د. أحمد الشاعر باسردة




    إن المتابع لصناعة القرار السياسي في المملكة العربية السعودية، ولطريقة إدارة الرياض لملفات الصراع في الإقليم خلال السنوات الماضية، يستطيع أن يلمس بوضوح أن النسخة الأولى من إدارة هذه الملفات، وخصوصًا الملف اليمني، وصلت إلى مرحلة استنفاد أدواتها السياسية والعسكرية، وأن المملكة تقف اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مقاربة مختلفة، أكثر واقعية وأقل كلفة، تبحث عن المخارج السياسية بدل الاستمرار في إدارة الصراع المفتوح.

    ولعل هذا التحول قد يعني نهاية مرحلة من هذا العصر وبداية مرحلة ثانية أكثر نضجًا وبراغماتية. فقد أثبتت التجربة اليمنية أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنتاج الاستقرار، وأن استمرار الحرب لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف السياسية التي انطلقت من أجلها. بل إن التطورات الأخيرة، بما فيها امتداد التوتر إلى الأراضي السعودية وعودة استهداف المنشآت والمصالح الحيوية، تؤكد أن الملف اليمني لا يزال قادرًا على إنتاج مخاطر مباشرة على الأمن السعودي والإقليمي.

    ومن هنا يمكن قراءة التحركات السعودية الأخيرة باعتبارها بحثًا عن إعادة ترتيب للتحالفات والأوراق، وعن صيغة سياسية تخرج اليمن من دائرة الاستنزاف العسكري إلى أفق التسوية. وفي هذا السياق تكتسب زيارة ولي العهد السعودي المرتقبة إلى جمهورية مصر العربية أهمية سياسية خاصة، ليس فقط بسبب ثقل القاهرة العربي والإقليمي، وإنما أيضًا بسبب علاقاتها التاريخية مع مختلف الأطراف وقدرتها على التعامل مع الملفات المعقدة بعقل استراتيجي هادئ. وقد أعلنت الرئاسة المصرية أن الزيارة تتضمن لقاءً ثنائيًا بين الرئيس عبدالفتاح السيسي وولي العهد السعودي، يعقبه اجتماع موسع بين وفدي البلدين، في وقت تشهد فيه المنطقة واليمن تطورات متسارعة.

    وقد يكون من المبكر الجزم بأن زيارة القاهرة تمثل بداية تسوية يمنية شاملة، لكن من المشروع سياسيًا استشراف أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو مقاربة مختلفة، تكون فيها القضية الجنوبية أحد أهم مفاتيح الحل، باعتبارها قضية سياسية ذات جذور تاريخية ومستقبلية، ولا يمكن اختزالها في الصراع العسكري مع الحوثيين أو التعامل معها باعتبارها ملفًا تابعًا لأزمة صنعاء.

    فالجنوب، في أي تسوية قادمة، لن يكون مجرد طرف في معادلة شمالية - شمالية، وإنما قضية سياسية لها حضورها وخصوصيتها ومطالبها ومشروعها، وأي محاولة لتجاوزها ستعيد إنتاج الأزمة بدل حلها. ومن هنا فإن نجاح أي تسوية يمنية شاملة سيبقى مرتبطًا بمدى قدرتها على استيعاب القضية الجنوبية بصورة عادلة وواضحة، بعيدًا عن الصيغ التي أثبتت التجربة فشلها.

    كما أن حكومة الشرعية نفسها أصبحت، في تقديري، عبئًا سياسيًا متزايدًا على القرار السعودي، بعد سنوات طويلة لم تستطع خلالها إنتاج نموذج دولة قادر على إنهاء الحرب أو استعادة صنعاء أو بناء مؤسسات فاعلة تستوعب المتغيرات على الأرض. ولذلك فإن استمرار الرهان على الصيغة القديمة قد لا يكون الخيار الأكثر واقعية بالنسبة إلى الرياض.

    إن الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الحل لا يعني التراجع، بل قد يكون تعبيرًا عن قراءة جديدة لموازين القوى ومصالح المملكة. فالأمن السعودي لن يتحقق باستمرار الحرب في اليمن، وإنما بإقامة بيئة يمنية مستقرة، وبناء علاقات جديدة تقوم على المصالح المتبادلة وحسن الجوار والتنمية، وإغلاق الملفات التي ظلت مفتوحة لعقود.

    ومن هنا يمكن القول إننا أمام مرحلة انتقالية محتملة في السياسة السعودية تجاه اليمن. وهي مرحلة تستدعي تفاؤلًا حذرًا، لا تفاؤلًا ساذجًا؛ لأن الطريق إلى التسوية لا يزال طويلًا، ومصالح القوى الإقليمية والدولية متشابكة، لكن فشل الخيار العسكري وتراكم كلفته البشرية والمالية والسياسية قد يجعلان الحل السياسي ليس مجرد خيار مرغوب، بل ضرورة لا مفر منها.

    والسؤال الحقيقي: هل بدأ بن سلمان عصرًا ثانيًا يقوم على التسويات السياسية بدل إدارة الصراعات؟ وإذا كان الجواب نعم، فإن اليمن، وفي القلب منه القضية الجنوبية، سيكون الاختبار الأكبر لهذه المرحلة.

    رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن

المزيد من مقالات (أ.د. أحمد الشاعر باسردة)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال