الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026
103
لو وضعنا الوطن تحت المجهر، فلن نرى حدودًا ولا أعلامًا ولا مباني حكومية؛ سنرى شيئًا أصغر بكثير: أُسرًا.
أسرة تعلّم أبناءها أن الجار المختلف ليس غريبًا، وأخرى لا تفرّق بين ابنها وابنتها في الكرامة والفرصة، وثالثة تعلّم طفلها أن اختلاف الرأي والفكر والمعتقد لا يمنح إنسانًا درجة أعلى من إنسان.
تبدو هذه التفاصيل صغيرة جدًا تحت مجهر الحياة اليومية، لكنها حين تتكرر في آلاف البيوت، تصبح ثقافة مجتمع، وحين تتكرر في ملايين البيوت، تصبح ملامح وطن.
فالمجتمع يشبه جسدًا حيًا، والأسرة خليته الأولى. والخلايا لا يشترط أن تكون متطابقة حتى يصحّ الجسد؛ بل إن اختلاف وظائفها هو سرّ حياته. والمشكلة لا تبدأ عندما تختلف الخلايا، بل عندما تقرر خلية أنها أحق بالحياة من غيرها. وهنا يبدأ المعنى الحقيقي للمواطنة المتساوية: أن يكبر الطفل وهو يفهم أن الوطن لا يسأل أبناءه: من أي أسرة جئت؟ وما مذهبك؟ ومنطقتك؟ وما اسم قبيلتك؟ بل يسألهم: ماذا سنبني معًا؟
المواطنة ليست بطاقة نحملها في جيوبنا بقدر ما هي علاقة نحملها في وعينا؛ أن أشعر أن كرامتك جزء من كرامتي، وأن حقك لا ينتقص من حقي، وأن اختلافك لا يهدد وجودي، وأن القانون إذا حماني ولم يحمك فقد خسرنا نحن الاثنين معنى الوطن.
ولهذا فإن التعايش ليس مجرد أن نسكن الشارع نفسه دون أن نتشاجر. التعايش أعمق: أن نشترك في المدرسة والسوق والعمل والحي، وأن نختلف ثم نبقى شركاء، وأن يكون للمرأة والرجل، وللقوي والضعيف، وللأغلبية والأقلية، الباب نفسه إلى الكرامة والعدالة والفرصة.
وما يحدث داخل البيت يتسلل بصمت إلى الوطن. فالطفل الذي يرى أخته أقل حقًا منه، كيف سيفهم المساواة غدًا؟ والذي يسمع أهله يحتقرون المختلف، كيف سيعتبره شريكًا في وطنه؟ والذي يتعلم أن القوة تمنح صاحبها امتيازًا فوق الآخرين، سيحمل المنطق نفسه معه إلى المدرسة والوظيفة والمؤسسة والدولة.
وبالعكس، حين يتعلم في أسرته أن الاختلاف لا يلغي المحبة، وأن القرار يمكن أن يصنعه الحوار، وأن الاعتذار لا يهدم الكرامة، وأن الأضعف له حق لا يقل عن حق الأقوى، فنحن لا نربي طفلًا مهذبًا فحسب؛ نحن ندرّب مواطنًا على شكل الوطن الذي نرجوه.
ربما لهذا لا يبدأ بناء الوطن دائمًا من الأشياء الضخمة التي تظهر في نشرات الأخبار.
قد يبدأ من أبٍ يستمع إلى ابنته كما يستمع إلى ابنه، ومن أمّ تمنع أبناءها من السخرية من لهجة جارهم، ومن مائدة يجلس حولها المختلفون دون خوف، ومن طفل يتعلم أن كلمة «نحن» تستطيع أن تتسع دون أن تطرد أحدًا خارجها.
هذه أشياء صغيرة جدًا تحت المجهر. لكن الوطن في النهاية ليس إلا ملايين هذه الخلايا الصغيرة، وهي تتعلم كيف تعيش معًا دون أن تبتلع إحداها الأخرى. وحين تصحّ الخلية، يتعافى النسيج؛ وحين يتعافى النسيج، يقوى المجتمع؛ وحين تتسع المساواة في البيوت، يصبح الوطن بيتًا لا يحتاج أحدٌ فيه إلى أن يثبت أنه يستحق مكانًا على مائدته.
ودمتم سالمين.