الثلاثاء, 15 سبتمبر 2026
108
بدأ مسؤولون وغير مسؤولين يرددون أن الجنوب يعيش تحت وطأة «اقتصاد الحرب»، وهو توصيف صحيح جزئيًا، لكنه لا يفسر وحده طبيعة السلوك الاقتصادي والإداري الذي تمارسه بعض النخب المتنفذة. فاقتصاد الحرب، على مساوئه، ينشأ عادةً في ظروف الصراع، وتُوجَّه فيه الموارد لتمويل الجبهات، وتأمين الاحتياجات الأساسية، والحفاظ على الحد الأدنى من وظائف الدولة. أما ما نشهده في الجنوب فيقترب، في جوانب كثيرة، من «اقتصاد الغنائم».
يقوم اقتصاد الغنائم على نظرة ترى مؤسسات الدولة ومواردها ومناصبها بوصفها مكاسب تُوزَّع بين القوى والجماعات والأفراد، لا أمانة عامة تُدار لمصلحة المجتمع. فالوزارة غنيمة، والمؤسسة غنيمة، والمنصب غنيمة، والإيراد العام غنيمة، وحتى الوظيفة والبعثة والمنحة والعقد الحكومي قد تتحول إلى حصة تُمنح على أساس الولاء والقرابة والانتماء، لا وفق الكفاءة والاستحقاق.
وفي ظل هذه العقلية، لا يعود السؤال: كيف نبني اقتصادًا جنوبيًا قادرًا على توفير الخدمات وخلق فرص العمل؟ بل يصبح: من يسيطر على هذا المرفق؟ ومن يحصل على نصيبه من الإيرادات؟ ومن يعيّن أتباعه في المناصب؟ ولهذا تتعدد مراكز الجباية، وتتضخم الأجهزة، وتتكرر الوظائف، وتُستنزف الموارد، بينما تبقى الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والرواتب في دائرة الأزمات المزمنة.
ولا تعني هذه القراءة أن جميع المسؤولين في الجنوب يتحركون بعقلية الغنيمة؛ فهناك بالتأكيد مسؤولون وموظفون يعملون بإخلاص في ظروف شديدة الصعوبة. لكن المشكلة تكمن في البيئة العامة التي تكافئ النفوذ أكثر مما تكافئ الإنجاز، وتحمي الولاء أكثر مما تحمي المال العام، وتتعامل مع الرقابة والمساءلة باعتبارهما تهديدًا لتوازنات المصالح.
إن أخطر ما يترتب على اقتصاد الغنائم أنه لا يبدد الموارد فحسب، بل يهدم فكرة الدولة نفسها. فالمواطن الذي يرى الثروة العامة موزعة بين المتنفذين، بينما يُحرم من راتبه وخدماته الأساسية، يفقد ثقته بالمؤسسات وبالقيادات وبالمشروع السياسي الذي تزعم هذه القيادات تمثيله. وحين تتحول السلطة إلى وسيلة للإثراء وتقاسم النفوذ، يصبح الحديث عن استعادة الدولة أو بناء الجنوب مجرد شعار بلا مضمون اقتصادي أو أخلاقي.
الخروج من هذا الوضع لا يبدأ بمزيد من المناصب والهيئات، ولا بتوسيع كشوفات «الإعاشة»، بل بإعادة تعريف الوظيفة العامة باعتبارها مسؤولية لا مكافأة، وتوحيد الإيرادات، ونشر الحسابات الختامية، وإخضاع الموارد والموانئ والمؤسسات للرقابة، وربط بقاء المسؤول بنتائج يمكن قياسها.
فالجنوب لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه إدارة تعتبرها ملكًا للمجتمع. ولا يمكن بناء دولة بعقلية من يتعامل معها بوصفها غنيمة؛ لأن الغنائم تُقتسم، أما الأوطان فتُبنى.