تظهر الاضطرابات المتصاعدة في البحر الأحمر هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وتُؤكد في الوقت نفسه أن امتلاك دول العالم لخيارات بديلة في مجال الغذاء ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية.

حين تهاجم جماعة الحوثيين السفن التجارية في البحر الأحمر، فإن ذلك لا يقتصر على تعطيل الملاحة في منطقة بعينها بل ينعكس مباشرة على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد ويخلف أضرارًا بشرية واقتصادية تطال مواطنين ودولًا متعددة في المنطقة وفي مقدمتها اليمن وسكانها .

تثير الهجمات في البحر الأحمر موجة جديدة من القلق بشأن تأثيرها على تجارة الحبوب عالميًا ، إذ يؤدي تعطل مسار البحر الأحمر وهو المسار الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة القمح عالميًا إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتأخير وصول الشحنات وتقويض الأمن الغذائي على نطاق واسع ، وفي اليمن تحديدًا انحدر الاقتصاد أكثر و وصلت بعض المناطق إلى نظام المقايضة مع انتشار مشاهد الجوع في كل مكان.

اليمن، التي تعاني أصلًا هشاشة اقتصادية وأزمات معيشية ستكون من أشد المتضررين إذا تصاعدت الأزمة وفي الوقت الحالي توجد مشاهد مروعة من الجوع والدمار في اليمن و بعض الناس باتوا أشبه بهياكل عظمية لانهم لا يملكون ما يأكلونه ولا يملكون أملًا ولا يملكون مساعدة كافية ، إذ تصل المساعدات الإنسانية بشكل متقطع ومع نقص المناعة وسوء التغذية تتفشى الأمراض والأوبئة وتفتك بالمواطنين.

إن أي تحول نحو تصعيد عسكري أوسع بما في ذلك محاولات استهداف سفن دول إقليمية أو محاولة إغلاق باب المندب قد يدفع البلاد نحو حرب شاملة واحتمال إغلاق أجزاء من طرق التجارة أو تقييد عمل الموانئ اليمنية وهو ما يضرب بشكل خاص الفئات الأضعف، الأسر الفقيرة والنازحين داخليًا، والذين يعتمدون على الاستيراد من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية.

القات يخرج غالبية اليمنيين عن وعيهم ويدفعهم إلى الصراعات بأريحية مطلقة، كما أنه لا يطعم بطون اليمنيين بل القمح هو الذي يصنع الحياة وما دام القات ينتزع المال من البيت سيظل القمح حلمًا لا يصل إلى غالبية البيوت، لذلك أرجو من القلة العقلاء في البلاد أن يجعلوا باب المندب آمنًا ومفتوحًا، وأن لا يجعلوا القات منافسًا للخبز.

في اليمن الجوع لا يأتي وحده، فالقات والحروب دائما يمهدان له، مع أن الخبز ليس ترفًا هو ميزان الكرامة الذي يكسره القات والصراعات، وهنا يجب أن لا ننسى في كل مرة ترتفع فيها أسعار القمح أن هناك بعض البيوت قد انهارت من الداخل قبل أن تنهار الأسعار ، وهناك بيوت أخرى في ذات الاتجاه من المعاناة والبؤس.

من سيعوض؟ ومن يتحمل التكلفة؟ على مستوى الأسواق العالمية قمح البحر الأسود والقمح الأوروبي حاليًا من الخيارات الأكثر تنافسية من حيث السعر، لكن استمرار اضطرابات البحر الأحمر يعني أن المستوردين قد يضطرون إلى تغيير مصادرهم أو مساراتهم، وهو ما يرفع التكلفة والفقر والجوع.