في الماضي، كان الإنسان يخشى أن تُصادر حريته، أما اليوم، فأصبح الخطر الأكبر أن تُصادر قدرته على التفكير.
لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي البشرية مساحة غير مسبوقة للتعبير وتبادل المعرفة، لكنها في المقابل أفرزت ظاهرة أكثر خطورة من الأخبار الكاذبة والشائعات، وهي صناعة "العقل الجمعي" الذي يرفض التفكير، ويكتفي بتكرار ما يقوله الآخرون.
وهنا تبدأ الأزمة.
فالإنسان الذي يتخلى عن عقله، ويستبدل الدليل بعدد الإعجابات، والمنطق بعدد المشاركات، يصبح أداة سهلة للتوجيه والتلاعب. وما إن تنطلق حملة إلكترونية حتى تتشكل محكمة افتراضية، تصدر أحكامها بلا تحقيق، وتدين بلا بينة، وتنفذ عقوباتها بالتشهير والإقصاء، وكأن الحقيقة أصبحت تُقاس بسرعة انتشارها، لا بصحتها.
إن أخطر ما تفعله وسائل التواصل ليس أنها تنشر المعلومات، بل أنها تصنع القناعات قبل أن تمنح الناس فرصة للتفكير. فهي قادرة على تحويل الباطل إلى قضية رأي عام، وتحويل الحقيقة إلى صوت خافت وسط ضجيج الجماهير.
ولعل التاريخ يقدم لنا درسا بالغ الأهمية؛ فالجماهير لم تكن دائما على صواب. كم من فكرة باطلة حظيت بتأييد الملايين، وكم من حقيقة حوربت لأنها خالفت المزاج العام. ولذلك فإن كثرة المؤيدين ليست دليلا على صحة الرأي، تماما كما أن قلة المدافعين عن الحقيقة لا تنقص من قيمتها.
إن استقلال الفكر ليس ترفا ثقافيا، بل مسؤولية أخلاقية. فالعقول الحرة لا تُقاد بالشعارات، ولا تنحاز إلى الضجيج، ولا تسمح للعاطفة أن تنتصر على الدليل. إنها تبحث، وتناقش، وتتحقق، ثم تتخذ موقفها عن قناعة، لا عن تقليد.
إننا اليوم بحاجة إلى ثورة وعي، لا ثورة منشورات. بحاجة إلى جيل يتقن فن السؤال قبل فن التعليق، ويتحقق قبل أن يشارك، ويفكر قبل أن يحكم. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفساد أو الحروب، بل قد تنهار أيضًا عندما يتوقف أفرادها عن استخدام عقولهم.
وفي زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية تصنع الرأي العام، فإن الدفاع عن العقل أصبح واجبا، لا خيارا. لأن المجتمع الذي يفقد استقلاله الفكري، يفقد تدريجيًا قدرته على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحقيقة والدعاية، وبين العدالة والانفعال.
* رئيس شبكة محامون ضد الفساد














