تبدو الشرعية اليمنية اليوم أمام مأزق سياسي وعسكري لا يمكن تغطيته بالبيانات ولا بخطاب الانتصارات المؤجلة. فالمشهد الميداني يقول بوضوح إن أنصار الله الحوثيين ما زالوا يمتلكون زمام المبادرة في عدد من الجبهات، يضربون حين يريدون، ويضغطون حيث يجدون الثغرة، بينما تبدو قوى الشرعية في كثير من الأحيان وكأنها تتحرك بلا استراتيجية عسكرية واضحة ولا مشروع وطني قادر على تحويل سنوات الحرب إلى نتائج ملموسة.

المشكلة لم تعد في نقص التصريحات، ولا في غياب المؤتمرات والبيانات، وإنما في غياب الفعل الذي ينتظره المواطن اليمني. فمنذ سنوات طويلة يسمع اليمنيون عن خطط تحرير صنعاء واستعادة الدولة، لكنهم لا يرون على الأرض ما يوازي حجم هذه الوعود. الحوثي يضرب ويوجع، بينما الشرعية تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تضرب في الهواء الطلق، وتعيش على خطاب المعارك أكثر مما تعيش على نتائجها.

والأكثر إثارة للانتباه أن الشرعية، وهي عاجزة عن تحقيق تقدم حقيقي باتجاه صنعاء، بدأت تخطب ود الجنوبيين وتطلب منهم أن يذهبوا معها إلى صنعاء لتحريرها، وكأن الجنوب لم يقدم ما يكفي طوال سنوات الحرب، وكأن الجنوبيين لا يملكون قضية سياسية وحقوقاً وطنية خاصة بهم.

كيف يمكن مطالبة الجنوبي بأن يحشد نفسه لتحرير صنعاء، بينما لا تزال عقلية الاستحواذ على عدن والجنوب وثرواته حاضرة في الخطاب والممارسة؟ كيف يُطلب من الجنوب أن يقاتل من أجل استعادة صنعاء، فيما قضيته هو نفسها لم تجد حلًا عادلًا؟ إن محاولة استدعاء الجنوبيين إلى معركة صنعاء من دون معالجة قضية الجنوب ليست شراكة وطنية، بل محاولة لإعادة إنتاج المعادلة القديمة بأدوات جديدة.

والأمر نفسه ينطبق على حضرموت. لا يمكن التعامل معها باعتبارها خزينة مفتوحة لمن يريد، ولا يمكن اختزال مستقبلها وثرواتها في حسابات القوى السياسية والعسكرية. وثروات حضرموت ليست غنيمة لأحد؛ بل هي حق لأهلها وللجنوب، ويجب أن تكون إدارتها لمصلحة أبنائها ومستقبلهم، بعيدًا عن عقلية الاستحواذ التي أوصلت اليمن إلى ما هو عليه اليوم.

إن خطاب الشرعية للجنوبيين يجب أن يبدأ من الاعتراف بحقوقهم، لا من مطالبتهم بتقديم التضحيات مرة أخرى. فالجنوب ليس قوة احتياطية لتحرير صنعاء، وليس جسراً تعبر عليه القوى السياسية والعسكرية نحو أهدافها. الجنوب قضية سياسية قائمة بذاتها، وشعبه صاحب حق في تقرير مستقبله، ومن يريد شراكة حقيقية معه عليه أن يتحدث أولاً عن الأرض والسيادة والحقوق والثروة.

أما الاستمرار في مخاطبة الجنوبيين بمنطق: تعالوا معنا إلى صنعاء، ثم نبحث قضيتكم لاحقاً، فهو منطق فقد صلاحيته. الجنوبيون يريدون إجابة واضحة: ماذا عن عدن؟ ماذا عن حضرموت؟ ماذا عن شبوة والمهرة وسائر أرض الجنوب؟ وماذا عن حق الجنوب في إدارة أرضه وثرواته وتحديد مستقبله؟.

وفي الوقت ذاته، فإن أزمة الشرعية العسكرية لا تزال قائمة. فالجيوش لا تنتصر بكثرة الأسماء والألوية، وإنما بالعقيدة الوطنية والانضباط والقيادة الموحدة والهدف السياسي الواضح. وعندما تتحول المعركة إلى صراع نفوذ بين الأحزاب والمكونات، تصبح الجبهات ساحات استنزاف، ويتحول تحرير صنعاء إلى شعار مؤجل.

وإذا استمرت الشرعية بالأدوات نفسها، وبالعقلية نفسها، وبغياب القرار العسكري والسياسي الموحد، فإن اليمنيين قد يُطلب منهم انتظار خمسة قرون أخرى قبل أن تصل صنعاء إلى موعد التحرير. أما أن يُطلب من الجنوب أن يدفع الثمن مرة أخرى، ثم يعود إلى نقطة الصفر بعد انتهاء المعركة، فهذا ما لم يعد مقبولاً.

المرحلة تحتاج إلى مراجعة جذرية. على الشرعية أن تدرك أن الجنوب ليس تابعاً لها، وأن قضية الجنوب ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد صنعاء. ومن يريد دعماً جنوبياً حقيقياً، فعليه أن يخاطب الجنوب كشريك صاحب قضية وحقوق، لا كخزان بشري وعسكري وقت الحاجة.

لقد تغيرت المعادلة. لم يعد السؤال: متى تتحرر صنعاء فقط؟ بل أصبح السؤال أيضًا: ماذا يريد الجنوب، ومن يضمن حقه، ومن يملك القرار في أرضه وثرواته؟.

ومن لا يملك إجابة واضحة عن هذه الأسئلة، فلا يلوم الجنوبيين إذا قالوا: لن نحارب من أجل صنعاء، بينما لا يزال هناك من يمد يده إلى عدن والجنوب وثرواته.

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن