> «الأيام» نشوة أحمد:
على الحافة، في تلك المساحة النائية عند أطراف الواقع، ينكفئ المهمشون على معاناتهم، يحجبهم الصمت عن مجتمع اعتاد ألا يراهم! وفي رواية"مشوار مع فتاة ميتة" الصادرة أخيرًا عن بيت الحكمة – القاهرة، يكسر الكاتب محمد أبو النجا ذاك الاعتياد، موجهًا عدسته نحو تلك الأطراف، ليلتقط صورًا صادمة من واقع قاسٍ، يغرق الجميع في ظلمته.
فيرصد عبر رحلة عبثية يقطعها البطل "خفاجي" حاملاً جثمان ابنة سيده، حالًا من الزيف الاجتماعي ويشتبك مع عالم يتحول فيه البشر إلى مسوخ، مجردة من التعاطف والمشاعر، تحت وطأة الانسحاق الطبقي وسطوة المادة والنفعية المطلقة.
يحمل عنوان النص بعضاً من المراوغة، إذ يشي ببعد غرائبي ناجم عن المزج بين الحركة بوصفها سمة للحياة، والموت الذي يحتم السكون، غير أن السرد لا يلبث أن يؤكد المعنى المباشر لعتبة النص الأولى، فيتكشف أن المشوار على غرابته لم يحِد عن منطق الواقع ولم يتجاوزه.
تنطلق الأحداث التي يسردها راوٍ عليم، من رجل ستيني يحمل جثة فتاة خرج بها لتوه من بحيرة المنزلة، يقرر أن يسلك مسالك معقدة كي يسلمها إلى أبيها. أما الدافع فيحجبه الكاتب حتى مرحلة متأخرة من السرد، مما يورط القارئ في حال من الترقب والانتظار، ويعزز مشاركته في لعبة السرد. وهي الغاية التي تتجلى منذ الوهلة الأولى في الرحلة السردية التي يشرعها أبو النجا بضمير المخاطب.
- فضاءات ودلالات
ينتمي النص إلى أدب الطريق، إذ تشكل الرحلة التي تستغرق يومًا واحدًا مركز السرد، واللبنة الرئيسة التي ينهض عليها، ويتشارك كل من الزمن والمكان في إنتاج الدلالة. يحيل الكاتب عبر استدعائه حقبة التسعينيات إلى الانفجار الرأسمالي، والتحولات الاقتصادية الكبرى التي أسفرت عن توحش طبقي، تآكلت على إثره الطبقة الوسطى لمصلحة طبقة طفيلية جديدة من الأثرياء.
ثم يحول المسافة الواقعة بين مدينتي دمياط الصناعية – وبورسعيد التجارية في شمال مصر، إلى مساحة للتأمل تتكشف عبرها الحقائق والمفارقات، فيطرق على امتدادها قضايا الانهيار القيمي والنفعية الفردية. ويطرح إشكالية التفاوت الطبقي وتصاعد الانتهازية وشيوع ثقافة الاستهلاك. ويتطرق إلى ما يضرب في المجتمع من جهل وفساد وبيروقراطية وتطبيع مع القهر، وما يرتع فيه من لهاث خلف المادة وتسليع للجسد وتصاعد للعنف ونفاق اجتماعي ووصاية أخلاقية ودينية. "قالت: البنات من هذا النوع يدخلن النار دون حساب.
- بين التجهيل والتعريف
ما عدا الشخصية المحورية"خفاجي"، يعمد الكاتب الى تجهيل بقية الشخوص، ويجعل من مهنهم ألقاباً تميزهم. وتشي طبيعة تلك المهن التي تتنوع بين سائق وقهوجي وعربجية، بحرصه على نزع الطابع الفردي عن تلك الشخصيات، والتعاطي معها بوصفها نماذج ممثلة للطبقة المهمشة، تختزل همومها وتعبر عن معاناتها وتحولاتها وقضاياها. أما استثناء"خفاجي" من ذلك التجهيل، فيحيل إلى تصور ضمني للسقوط بوصفه خيارًا فرديًا، يتحمل البطل مسؤوليته وإن هيأ المجتمع بيئته الحاضنة.
ولا يكتفي أبو النجا بالإحالة إلى الهامش عبر استدعاء مهن الطبقة الدنيا، بل يؤكد تلك الإحالة من خلال رسم الأبعاد الجسدية والاجتماعية والنفسية للشخصيات على نحو يكسبها طابعاً واقعياً. ويحول النص إلى وثيقة اجتماعية تسجل تآكل الروح في عالم شديد القسوة، فعلى المستوى الجسدي، يصور شعر "خفاجي" الفضي، وجلسته المنكمشة على المقهى التي كانت تحجب طول قامته، وبدلته الصيفية التي لا يكاد يغيرها في فصلها. وعلى المستوى الاجتماعي يكشف عن أوضاعه المادية التي اضطرته إلى التضحية بحلمه بالزواج من أجل تزويج شقيقاته.
- وهم البطولة والسردية الزائفة
"إندبندنت عربية"












