> تحقيق/ بسام القاضي - عبير عبدالله:

​في محافظة لحج، يقف المزارع الخمسيني سالم أحمد مثنى أمام أرضه المتشققة بحسرة. فبعد أن كانت حقوله تكتسي بالخضرة وتفيض بالمحاصيل، تحولت بفعل الجفاف إلى مساحات قاحلة أنهكها العطش. يقول سالم: "الجفاف أكل الأخضر واليابس، مع تراجع الأمطار وتزايد شح المياه عامًا تلو عام".

في محاولة لإنقاذ مصدر رزقه، غيّر سالم محاصيله مرارًا وحفر آبارًا أعمق بحثًا عن المياه، لكن الجفاف كان أسرع من كل محاولاته. ومع تراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الزراعة، بات ابنه أحمد يفكر في النزوح بحثًا عن فرصة أخرى للحياة، بينما تتضاءل خيارات الأسرة يوماً بعد يوم.

ورغم قسوة المشهد، لا يزال سالم متمسكًا بالأمل. فحلمه لم يتغير: أن تعود الأمطار، وتستعيد أرضه خضرتها، وتعود الحقول التي ورثها عن آبائه مصدرًا للحياة، لا شاهدًا على آثار الجفاف والتصحر.

ويواجه اليمن، الذي يعاني من أزمة إنسانية تُصنف على أنها الأسوأ عالميًا وفقًا للأمم المتحدة، وبلد يعتمد غالبية سكانه على الزراعة، تهديدًا وجوديًا بسبب تفاقم ظاهرة التصحر. مستقبله البيئي والاقتصادي والإنساني بات على المحك، مع زحف الصحراء على مساحات شاسعة من أراضيه الخصبة.
  • زحف الرمال يلتهم اليمن
تُظهر الدراسات حجم الكارثة البيئية؛ فدراسة"التصحر في اليمن" للدكتور عبدالغني جغمان (يونيو 2023) تكشف أن ما يقرب من 71.6 % من مساحة البلاد، أي نحو 405 آلاف كيلومتر مربع، تعاني بالفعل من التصحر، مع 15.9 % إضافية مهددة بالتحول إلى صحراء. 

وتتوافق هذه الأرقام مع نتائج دراسة حكومية نُفذت بالتعاون مع الأمم المتحدة، وكذلك مع ما ورد في تقرير التصحر في اليمن (فبراير 2023)، اللذين يؤكدان أن نحو 97% من الأراضي اليمنية تعاني أشكالاً متعددة من تدهور الأراضي، أبرزها التصحر، والتعرية المائية والريحية، وتملح التربة، وزحف الرمال، وتدهور الغطاء النباتي.

وتعكس هذه التقديرات مؤشرات مختلفة تشمل الأراضي المتصحرة فعليًا، والأراضي المتدهورة، والمناطق المعرضة لخطر التصحر، ما يفسر التباين بين النسب الواردة في الدراسات والتقارير.

يُضاف إلى ذلك تقرير وزارة الزراعة والري والثروة السمكية الذي يسلط الضوء على أن 42% من الأراضي اليمنية معرضة بدرجة مرتفعة للتصحر، فيما تقع 55% من الأراضي ضمن مستويات مرتفعة أو مرتفعة جداً من مخاطر التصحر.

وتشير التوقعات إلى أن رقعة الأراضي المتأثرة بالتصحر قد تتسع لتشمل نحو 86 % من مساحة اليمن خلال العقود القادمة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه بلدًا يقع بمعظمه ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة الهشة بيئيًا.

 وقد سجلت التقارير الرسمية ارتفاعًا في نسبة التصحر من 90 % عام 2014 إلى 97 % عام 2022، مما أدى إلى خسارة سنوية تتراوح بين 3 % و5 % من الأراضي الصالحة للزراعة. هذه الخسارة أكدها وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، في مؤتمر الأطراف السادس عشر (COP16) في ديسمبر 2024.

وفي سياق متصل، ذكر مدير عام الغابات ومكافحة التصحر بوزارة الزراعة والري - عدن  فاروق طالب علي، أن الوزارة تتبع استراتيجية منذ عام 2004 لتحييد 30% من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030، مع التنسيق بين وزارتي الزراعة والمياه والبيئة لحماية الأراضي.
 وأوضح أن نسبة التصحر في اليمن تبلغ 17.5 % (79 كيلومتر مربع)، بينما تشكل الصحراء 70 % من المساحة الإجمالية. ووفقًا له، يخسر اليمن سنويًا ما بين 3.5 % إلى 5 % من إنتاجية الأرض بسبب النزاعات، نزوح المزارعين، ارتفاع التكاليف، والتغيرات المناخية، حيث تعد سيئون بحضرموت، المهرة، شبوة، مأرب، أبين، وسقطرى الأكثر تضررًا.

كما تكشف أحدث الإحصائيات الحكومية أن 17.54% من إجمالي مساحة الأراضي في اليمن، أي ما يعادل 79,403 كيلومتر مربع، تدهورت خلال الفترة من 2015 إلى 2019. 

البيانات الرسمية المتعلقة بالجفاف خلال فترة التقرير الرابع للتصحر، تكشف عن تصاعد مقلق، حيث ارتفعت نسبة الأراضي المتأثرة بالجفاف الشديد إلى 76.5 % في عام 2019، مقارنة بـ 28.8 % فقط في عام 2010. هذه الزيادة السلبية في مساحة الجفاف بلغت 125,579 كيلومتر مربع، ما يعادل 22.7 % من إجمالي مساحة الأراضي.
  • عوامل متعددة تغذي الكارثة
في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع، لا تُعد الأغنام مجرد ماشية لفاطمة وابنها علي؛ إنها رفيق درب يصارعان من أجله كل يوم في ظل واقع التصحر المرير.

تعبر فاطمة عن ألمها العميق بينما تشاهد مواشيها تزداد هزالًا يومًا بعد يوم: "قلبي يتألم كلما رأيت إحداها تموت عطشًا أو جوعًا".

تدهور الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية بفعل التصحر هو السبب المباشر وراء هذا المشهد المؤلم، حيث باتت الأغنام تجد صعوبة بالغة في الحصول على الغذاء والماء اللازمين لبقائها، في انعكاس مباشر لتأثير البيئة المتغيرة على سبل عيش هذه الأسرة.

تسهم مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية في اتساع رقعة التصحر في اليمن. وفي مقدمتها التغيرات المناخية التي أدت إلى تراجع كميات الأمطار بنسبة تتراوح بين 10 % و18 % وزيادة تقلباتها، وفقًا لاستشاري تنمية الموارد الطبيعية عبدالغني جغمان.

 اليمن، المصنف في المرتبة 173 من بين 182 دولة في القدرة على التكيف مع تغير المناخ، هو شديد التأثر بهذه الظواهر، ويعده البنك الدولي من أكثر الدول العربية تضررًا، متوقعًا ارتفاعًا حادًا في درجات الحرارة بين 1.2 و 3.3 درجة مئوية خلال العقود الثلاثة القادمة. 

وقد أكد المدير الفني لوحدة تغير المناخ بوزارة المياه والبيئة عبدالرقيب العكيشي، أن اليمن يشهد تغيرات مناخية كبيرة، مشيرًا إلى ارتفاع درجات الحرارة في الجنوب والمناطق الصحراوية وانخفاض الأمطار في الشمال الشرقي خلال العقود الثلاثة الماضية، مع تزايد ملحوظ في شدة وتكرار الأمطار الغزيرة والأعاصير وارتفاع مستوى سطح البحر في عموم البلاد.

يشير مدير مركز دراسات المناخ والبيئة بجامعة عدن ورئيس اللجنة الوطنية للحديقة الجيولوجية فواز باحميش، بأن اليمن يشهد مؤشرات واضحة لتغير المناخ، أبرزها الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والرطوبة الذي يشعر به السكان في جميع الأقاليم، بالإضافة إلى هطول الأمطار بكميات غير مسبوقة وفي غير مواسمها، وحركات الرياح غير الاعتيادية.

 وأوضح باحميش أن الكوارث المناخية تتزايد، مستشهداً بما حدث في الحديدة العام الماضي، وسقوط البرد بكميات كبيرة في مديرية ميفعة بشبوة مؤخراً، في أوج فصل الصيف. كما أشار إلى الفيضانات التي تحدث حالياً في المحافظات الشمالية جراء الأمطار الغزيرة، والتي تجرف السيارات والمزارع. ولفت الانتباه إلى كارثة عدن في 21 أبريل 2020، حيث بلغ منسوب المياه 125 مليمتراً في ساعة ونصف، مما يؤكد أن عدن بدأت تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات المناخية.

إلى جانب المناخ، يعاني اليمن من نقص حاد في المياه، مصنفًا ضمن أعلى 20 دولة تعاني من إجهاد مائي مرتفع. القطاع الزراعي، الذي يعتمد عليه ثلاثة أرباع السكان، يستهلك نحو 90 % من المياه، مما يستنزف المياه الجوفية ويفاقم التصحر، وفقًا للدكتور جغمان وتقارير اخرى.

وفي هذا السياق، أكد نائب رئيس ومقرر مكتب لجنة العلم والتكنولوجيا التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ورئيس لجنة العلم والتكنولوجيا الإفريقية، أحمد عبدالعاطي، أن تغير المناخ يسرّع اتساع رقعة التصحر في اليمن، تمامًا كما هو الحال في عدد من الدول الإفريقية. لكنه أوضح أن الوضع في اليمن يتفاقم نتيجة تداخل العوامل المناخية مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، مما يجعل تنفيذ برامج مكافحة التصحر أمرًا صعبًا مقارنة بدول مثل النيجر وإثيوبيا التي أحرزت تقدمًا بدعم دولي وتخطيط طويل الأمد.

  وكيل وزارة الزراعة والري بعدن احمد الزامكي أوضح أن مناسيب المياه الجوفية تتأثر بنقص تغذيتها، ويتفاقم الوضع بسبب تداخل مياه البحار مع المياه الجوفية العذبة، مما يؤدي إلى تملحها وتأثيرها على التربة الزراعية.

وعن العوامل التي تُفاقم التصحر في اليمن، أوضح باحميش: "التغير المناخي يساهم بشكل كبير في عملية التصحر من خلال ارتفاع درجات الحرارة وانحباس الأمطار لفترات طويلة قد تمتد لخمس أو ست سنوات، مما يؤدي إلى موت النباتات وتحول الأراضي الخضراء إلى أراضٍ بور".

 وأضاف أن نشاط الرياح يزيد من حدة المشكلة عبر نقل التربة من منطقة إلى أخرى، مما يؤدي إلى تعرية الأراضي وتدهور الغطاء النباتي وتسارع تدهور النظم البيئية المحلية.  وأشار إلى وجود كثبان رملية ضخمة زحفت من السواحل إلى المناطق الداخلية في مناطق مثل أطراف عدن باتجاه أبين. 

وأكد باحميش أن العامل البشري يسهم أيضاً في تفاقم التصحر من خلال اقتلاع النباتات الطبيعية وإزالة الغطاء النباتي الذي يعمل على تثبيت التربة والحد من انجرافها.

 وذكر أن مناطق التصحر واضحة في لحج وأبين والمحافظات الشمالية مثل الحديدة.تساهم الممارسات البشرية الخاطئة أيضًا في تدهور الأراضي.

 الزامكي يوضح أن التصحر مفهوم واسع، يشمل تدهور الأراضي الزراعية بعدة أشكال، مثل انجراف التربة بفعل الفيضانات، وجفافها نتيجة شح المياه، وتملح التربة، والتوسع العمراني، وزحف الرمال. 

ووفقاً للزامكي، تُسهم العمليات الزراعية غير المستدامة، والرعي الجائر، وإزالة الغطاء النباتي الطبيعي، وزيادة الطلب على الغذاء والحطب، إضافة إلى استنزاف العناصر الغذائية في التربة والاستخدام المفرط للمبيدات، في تفاقم ظاهرة التصحر وتدهور الأراضي، مما يجعل مختلف المناطق اليمنية أكثر عرضة لمخاطره مستقبلاً.

 الصراع الدائر بدوره يزيد الطين بلة، حيث يعاني 50% من الشعب اليمني من نقص المياه النظيفة، مما أدى إلى انعدام الأمن المائي وزيادة الصراعات المحلية على الموارد.

تداعيات وخيمة على الإنسان والبيئة.

في تهامة، دمرت السيول والفيضانات حياة يوسف فتيني وعائلته، مما أجبرهم على النزوح القسري إلى عدن. يقول يوسف بألم: "جرفت المياه كل ما نملك". 

في المدينة، يواجهون صعوبات جمة كنازحين، من ارتفاع الإيجارات ونقص فرص العمل إلى ارتفاع الأسعار. ورغم أنهم يفتقدون قريتهم بشدة، يواصل يوسف الصمود في عدن، متشبثًا بأمل العودة يومًا إلى أرضه.

تنعكس هذه الظروف البيئية المتدهورة سلبًا على معيشة السكان، وتعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالقضاء على الفقر والجوع. فالبلاد ستواجه على الأرجح فترات جفاف وموجات حر أطول، ما يؤدي إلى نقص حاد بالمياه وتدهور الأراضي الزراعية، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مما يعمق التحديات التنموية للبلاد، وفقًا للبنك الدولي ودراسة الدكتور ضيف الله. 

كما تؤكد تقارير المنظمة الدولية للهجرة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تغير المناخ وشح المياه والتصحر يؤديان إلى تفاقم النزوح وتهديد الأمن الغذائي، في ظل وجود نحو 4.3 مليون نازح داخليًا، وفقًا لوزير التخطيط د. واعد باذيب. ولا يقتصر الضرر على ذلك، فالتصحر يسهم في زيادة العواصف الترابية التي تضر بالصحة والبنية التحتية.

التقارير الدولية، مثل برنامج العمل الوطني للتكيف (NAPA) من الأمم المتحدة، تؤكد أن الجفاف المتكرر، ارتفاع الحرارة، وتغير أنماط الأمطار تدمر الأراضي الزراعية وتسرّع زحف الصحراء، مما يهدد الأمن الغذائي وسبل عيش الملايين.

كما يمثل تفاقم التصحر في الشرق الأوسط، المدفوع بتغير المناخ، بحسب اللجنة الدولية المعنية بالمناخ، تحديًا بيئيًا واجتماعيًا واقتصاديًا خطيرًا؛ فالتوسع في المناطق الجافة، وتزايد العواصف الترابية، وتدهور الأمن الغذائي، وندرة المياه، كلها عواقب وخيمة لهذه الظاهرة، التي تتطلب استراتيجيات شاملة للتخفيف من آثارها.

النساء هن الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، حيث يشكلن 21.10% من السكان المعرضين للخطر بسبب تدهور الأراضي والجفاف، مقارنة بـ 20.40% للرجال. وتواجه النساء عوائق كبيرة في تأمين حقوق ملكية الأرض، مما يحد من قدرتهن على الازدهار والاستقرار، ويجعلهن الفئة الأشد تضررًا عند تدهور الأراضي وشح الموارد وذلك وفق برشور التصحر والجفاف 2024.

يُشير خبير في إدارة الاقتصاد والتخطيط بالمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد) مضر وقاف، إلى أن الآثار الاقتصادية للتصحر في اليمن متعددة. وتشمل هذه الآثار تراجع الإنتاج الزراعي والغذائي، وزيادة الاعتماد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي، وارتفاع تكلفة الغذاء والإنتاج الزراعي. كما تتضمن انخفاض مساهمة الإنتاج الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع كلفة الحصول على المياه.

أما على الصعيد الاجتماعي، فيوضح وقاف أن المؤشرات الأساسية للتأثر تشمل معدلات الفقر، والمؤشرات الديموغرافية، والتعليم والتوعية، وتعزيز التنمية المستدامة للمستوطنات البشرية. ويؤكد على أن تقييم هذه الآثار يتطلب دراسات معمقة وتوفر البيانات الإحصائية.
  • جهود وطنية تواجه تحديات جسيمة
على الرغم من المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ووضع خطط وطنية سابقة، إلا أن هذه الجهود تلاشت إلى حد كبير بسبب الصراع المستمر لأكثر من عشر سنوات.

 حاليًا، تعمل وزارة الزراعة  بحسب الزامكي على تحديث الاستراتيجية الوطنية للزراعة والأمن الغذائي، وتفعيل نقطة اتصال اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وبذلت جهودًا للحصول على تمويل من مرفق البيئة العالمي لإعداد التقرير الوطني لمكافحة التصحر. 

كما تسعى وحدة تغير المناخ بوزارة المياه والبيئة وفقا للدكتور العكيشي لتأمين التمويلات وتعزيز الخطط والتشريعات الوطنية، وتكثيف جهود التكيف والتخفيف من الآثار المناخية، مع التركيز بشكل خاص على استعادة وتعزيز النظم البيئية الحيوية والحفاظ على التنوع البيولوجي.

 ولمواجهة هذا التحدي، اقترح الدكتور عبدالعاطي أن يستفيد اليمن من الممارسات الدولية الناجحة في مكافحة التصحر، وشملت هذه الممارسات الزراعة المحافظة على الموارد كما طُبقت في زامبيا ودول الساحل الإفريقي، ومبادرات"السور الأخضر" المستوحاة من مشروع الجدار الأخضر الكبير في إفريقيا. كما شدد على أهمية إشراك المجتمعات المحلية وتمكين المرأة في إدارة الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى استخدام التكنولوجيا في تتبع تدهور الأراضي مثل صور الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية. وأكد ضرورة تكييف هذه التجارب لتناسب طبيعة التضاريس والمناخ والظروف المجتمعية في اليمن"
المهندس الزامكي أشار إلى أن الوزارة أعدت خطة استراتيجية طارئة لمواجهة الاعتماد على القمح، وتتضمن الخطة الوطنية لاستعادة النظم البيئية أهدافًا طموحة لحماية وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية والمراعي والغابات بحلول عام 2030 وما بعده. 

يضيف الزامكي، على الرغم من عدم وجود مشاريع مباشرة كبرى لمواجهة التصحر قيد التنفيذ حاليًا، هناك مشاريع غير مباشرة لمواجهة تحديات المناخ والسيطرة على الفيضانات. ومن أبرزها سد حسان الاستراتيجي في محافظة أبين، الممول من صندوق أبوظبي للتنمية، والذي سيعمل على تنظيم وتخزين مياه السيول والحد من انجراف التربة وتغذية المياه الجوفية، بالإضافة إلى مشاريع محدودة ومتفرقة في عدة محافظات بتمويلات من مانحين ومنظمات أممية ومحلية.

المهندس طارق حسان، خبير التغيرات المناخية ومكافحة التصحر، يؤكد أن اليمن يواجه تحديات بيئية ومناخية متزايدة وخطيرة. وتشمل هذه التحديات تدهور الأراضي الزراعية، وتوسع الكثبان الرملية، وارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق، والتذبذب الشديد في الأمطار بين الجفاف والسيول المدمرة، مما أدى إلى تدهور الغطاء النباتي ونضوب المياه الجوفية ونزوح السكان. ويحذر من استمرار هذه التغيرات، مما سيفاقم من أزمة الأمن الغذائي والمائي ويزيد من موجات النزوح السكاني إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة.

ولمواجهة هذه التحديات، يقترح المهندس حسان حلولًا عملية ومستدامة تركز على تمكين المجتمع المحلي بالاعتماد على الموارد المتاحة. تتضمن هذه الحلول حصاد مياه الأمطار، وإدارة المياه بشكل متكامل من خلال إعادة تأهيل المدرجات وبناء السدود الصغيرة، والتشجير المستدام بأنواع نباتية محلية مقاومة للجفاف، والتحول نحو الزراعة الذكية مناخيًا باستخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية. ويشدد على أهمية البدء بالمشاريع صغيرة الحجم ذات الأثر المباشر، وضرورة التنسيق الفعال عبر منصة وطنية موحدة تجمع جميع الأطراف المعنية، مع إشراك المجتمعات المحلية وتحفيز القطاع الخاص.

للتخفيف من هذه الآثار، يرى الدكتور وقاف أن التخطيط الاقتصادي يجب أن يدمج مكافحة التصحر كجزء أساسي من الخطط الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويتم ذلك عبر تحسين إدارة الموارد الطبيعية من خلال وضع سياسات مستدامة للأراضي والمياه، والحد من الحفر العشوائي للآبار، وتعزيز أنظمة حصاد المياه. كما يؤكد على أهمية تشجيع الاستثمار في الزراعة المستدامة، وتنمية المناطق الريفية، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي والوعي البيئي، والتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية، وتبني أدوات الاقتصاد الأخضر.
  • منهجيات "أكساد" لتقييم التكلفة الاقتصادية للتصحر
يوضح الدكتور وقاف أن "أكساد" يعمل على ربط التقييم الاقتصادي لتكاليف التصحر وتدهور الأراضي بالنظم الدافعة له، سواء كانت فيزيائية (كالتضاريس وتغير الظروف المناخية) أو بشرية (كممارسات إدارة الأراضي غير المستدامة) أو كامنة (كالفقر وانخفاض المستوى المعرفي). وينتج عن ذلك نوعان من التكاليف: مباشرة (داخل موقع التصحر كفقدان الإنتاج الزراعي، وخارجه كترسب الأوحال في السدود) وغير مباشرة (داخل موقع التصحر كفقدان التنوع البيولوجي، وخارجه كالأضرار في البنية التحتية).
ويشير وقاف إلى أن خبراء "أكساد" يستخدمون عدة مناهج لتقدير هذه التكلفة، منها منهج تحليل العائد-التكلفة الذي يقيم السياسات من حيث تكاليفها ونتائجها النقدية. كما يستخدم تحليل تكلفة الفرصة البديلة الذي يقدر ما يتم خسارته بسبب تدهور الأرض مقارنة بما كان يمكن كسبه لو بقيت منتجة. بالإضافة إلى النماذج القياسية في تقدير الأثر الاقتصادي كتحليل السلاسل الزمنية والبيانات المقطعية. ويؤكد على أن الاستفادة من هذه التقييمات تعزز تحديد الأولويات الاستثمارية، وإعداد السياسات البيئية الملائمة، وجذب التمويل الدولي، والتخطيط طويل الأجل، ورفع الوعي المجتمعي.
  • دمج مفهوم الاستخدام المستدام للموارد البيئية في الخطط التنموية الوطنية لليمن
يؤكد الدكتور وقاف أن المركز العربي (أكساد) يعمل على تطبيق استراتيجيته التي تستند إلى الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية. وقد صدرت العديد من القرارات بهذا الخصوص من القمم العربية، مثل اعتماد الخطة التنفيذية لاستراتيجية الأمن المائي العربي التي أعدها "أكساد". ويعمل "أكساد" على دمج مفهوم الاستخدام المستدام للموارد البيئية في الخطط التنموية وتبني نهج شامل يربط بين الحماية البيئية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويتم ذلك من خلال توصيات "أكساد" بمراجعة التشريعات والسياسات الحالية المرتبطة بالموارد الطبيعية لضمان الاستدامة، وتطوير أنظمة رصد الموارد الطبيعية (المياه، التربة، الغطاء النباتي). كما يشمل ذلك تبني منهج واضح لتقدير الأثر البيئي للأنشطة الاقتصادية، والتوجه نحو أساليب الزراعة الذكية مناخياً، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية. ويضيف وقاف أهمية تعزيز الوعي البيئي المجتمعي، وتشجيع الاستثمار في الطاقات المتجددة، ودمج المناهج البيئية في النظام التربوي.
  • مشروعات طبيعية واعدة لليمن في المناطق الجافة والقاحلة
يوضح الدكتور وقاف أن تطوير المشروعات القائمة على البيئة يتطلب دراسات مفصلة للواقع البيئي والجغرافي، مشيراً إلى أن اليمن يتميز بتنوع البيئات (الساحلية، الجبلية، والقارية). ومن المشاريع التي أثبتت جدواها في بيئات مماثلة: إعادة تأهيل الغطاء النباتي باستخدام الأنواع المقاومة محلياً كالسدر والطرفاء والأكاسيا.

كما يضيف وقاف إمكانية التوجه نحو الزراعة البيئية والزراعة الحافظة، والتوسع في مشروعات حصاد المياه كبناء السدود الصغيرة والحواجز الحجرية والخزانات الترابية. بالإضافة إلى تطوير المدرجات الزراعية التقليدية في المناطق الجبلية كما في إب وصعدة وتعز، وتعزيز السياحة البيئية المجتمعية من خلال تطوير السياحة في المناطق ذات التنوع البيئي والثقافي.
  • مصادر التمويل المبتكرة لدعم مكافحة التصحر
يشير الدكتور وقاف إلى أن المركز العربي (أكساد) يعمل على تبني سياسات تهدف إلى تحسين الواقع الزراعي في البلدان العربية، والاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وتحقيق أعلى عائد، ونقل وتطبيق التقنيات الحديثة، بالإضافة إلى تمكين المرأة الريفية. وقد أعد "أكساد" مجموعة من المشاريع لتقديمها لصناديق التمويل العربية والإقليمية، مثل مشروع الاستفادة من المخلفات الزراعية، ومشروع الاستفادة من المياه التقليدية، ومشروع حصاد مياه الأمطار والري التكميلي.

ويؤكد وقاف أن تأمين مصادر تمويل مبتكرة يتطلب دراسة الواقع الاستثماري في اليمن، وتقديم رؤى استثمارية تحقق منفعة متبادلة، وتوفير الظروف الاستثمارية الملائمة. ويمكن تطوير الاستثمار في السياحة البيئية، والسعي لجذب التمويل العربي من خلال صناديق التمويل. 

كما يرى أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتركيز على قصص النجاح المحلية لجذب المتبرعين، وتعزيز التواصل مع المنظمات غير الحكومية والممولين. ويضيف إمكانية الاستفادة من المساعدات الإنسانية والتنموية، ودعم برامج حاضنات الأعمال والمشاريع الابتكارية، وإنشاء منصة إلكترونية لعرض المشروعات الاستثمارية بشفافية.
  • عقبات تعترض طريق الحل
تحديات جمة تعترض طريق مكافحة التصحر في اليمن؛ أبرزها نقص التمويل والموازنات، حيث يقدر المهندس الزامكي الحاجة إلى أكثر من 500 مليون دولار في المرحلة الأولى بشكل طارئ لوقف التدهور وإعادة جزء من البنية التحتية الزراعية.

 يضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية للقطاع الزراعي، نقص الكفاءات الوطنية المتخصصة في التغيرات المناخية وقلة الكوادر المتخصصة بالوزارة، بطء إجراءات تنفيذ المشاريع عبر الوكالات الدولية، وضعف أو محدودية التنسيق مع القطاعات الحكومية ذات العلاقة. كما أن غياب استدامة العديد من المشاريع نتيجة الوضع الراهن وضعف التشريعات الوطنية الداعمة للعمل المناخي يفاقمان الوضع. يؤكد الزامكي.
  • دعوات للعمل المستدام لمستقبل اليمن
لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة، يؤكد الخبراء على ضرورة تضافر الجهود. الدكتور فيصل باقتادة، أستاذ الجغرافيا المناخية المساعد بجامعة عدن، يؤكد أن اليمن سيواجه تداعيات سلبية خطيرة إذا لم يستجب بفعالية للتغيرات المناخية، داعيًا إلى تنفيذ تدابير ملموسة لحماية الموارد المائية، وتعزيز الزراعة المستدامة، ودعم الاستدامة البيئية بشكل عام. 

توصيات ورشة عمل مكافحة التصحر (الألكسو) تحث على بناء القدرات في التفاوض والتخطيط، واستخدام التقنيات الحديثة في إدارة الموارد، وإنشاء أنظمة إنذار مبكر.

وفيما يتعلق بالأولويات التي يجب أن تركز عليها اللجنة الوطنية اليمنية للتربية والثقافة والعلوم في ورش عمل بناء القدرات حول التصحر، دعا الدكتور عبدالعاطي إلى التوعية المجتمعية بأسباب وآثار التصحر وسبل الوقاية، وتدريب الكوادر المحلية على تقنيات مكافحة تدهور الأراضي. كما شدد على تعزيز العلاقة بين التعليم البيئي والممارسات الزراعية التقليدية، وإدماج مفاهيم التصحر في المناهج الدراسية، وربط الورش بمشروعات تطبيقية ميدانية صغيرة قابلة للتنفيذ حتى في ظل التحديات الراهنة. 

وبين الدكتور عبدالعاطي أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تلعب دوراً محورياً في دعم اليمن من خلال دعم بناء القدرات المؤسسية والفنية، وتيسير التمويل من آليات دولية كصندوق التكيف والصندوق الأخضر للمناخ. كما يمكنها إشراك اليمن في المنصات الإقليمية والدولية لتبادل الخبرات، وتوفير الأدوات التقنية لمراقبة التصحر وتخطيط استخدام الأراضي، والمساعدة في تسهيل الشراكات بين اليمن والدول التي واجهت تحديات مماثلة. 

وحول التعاون بين لجنة العلم والتكنولوجيا الإفريقية والجهات اليمنية، أوضح أنه يمكن أن يتم عبر برامج تبادل علمي وتدريبي للباحثين والفنيين اليمنيين، ومشروعات بحثية مشتركة في مجال إدارة الموارد الطبيعية. وأشار إلى إمكانية نقل تقنيات منخفضة التكلفة مناسبة للبيئة اليمنية، وتنظيم منصات حوار بين المؤسسات البحثية في الجانبين، وتعزيز الابتكار المجتمعي المحلي بتبني حلول بسيطة أثبتت نجاحها في بيئات إفريقية مشابهة. 

واختتم الدكتور عبدالعاطي تصريحه بالتأكيد على أن مكافحة التصحر في اليمن ليست مجرد مسألة بيئية، بل هي مدخل أساسي للاستقرار المجتمعي وتحقيق الأمن الغذائي. ودعا إلى دعم المجتمعات الريفية وتمكينها من أدوات التكيف كركيزة لأي استراتيجية وطنية أو دولية. كما شدد على أن التضامن الإقليمي والتعاون "جنوب-جنوب" يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً.

 واقترح رئيس لجنة العلم والتكنولوجيا الإفريقية في الاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الاعتماد على خبير عربي أو منظمة عربية قوية، مثل المنظمة العربية للتنمية الزراعية، لبناء استراتيجية وطنية لمكافحة التصحر في اليمن، مما سيكون له أكبر الأثر في نجاح الجهود الوطنية."

المهندس محسن عبدالرحمن بازرعة،  منسق الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر بوزارة الزراعة والري، يدعو إلى تضافر الجهود الوطنية والإقليمية والدولية لمواجهة ظاهرة التصحر المتفاقمة في اليمن. وشدد على الدور الحيوي للإعلام في تسليط الضوء على هذه الظاهرة عالميًا، مؤكدًا أن دول العالم الثالث، ومنها اليمن، لا يمكنها مواجهة التصحر إلا عبر تعاون شامل.

 كما أكد بازرعة أن الجهد الشعبي يمكن أن يحقق نتائج كبيرة من خلال تشجيع زراعة الأشجار في المدن والأرياف، وإعادة تنشيط مجموعات "أصدقاء الشجرة"، وإحياء الأعراف التقليدية لحماية الموارد. 
ويشدد تقرير التصحر على ضرورة تفعيل التشريعات، وتطبيق الممارسات المستدامة، ورفع الوعي العام بمخاطر التصحر لضمان مستقبل أكثر أمانًا لليمن.
  • اليمن: أرضٌ تذبل تحت وطأة المناخ
من لحج إلى الأزارق وتهامة، تتكرر الحكاية ذاتها بأوجه مختلفة؛ مزارعون يفقدون أراضيهم، ورعاة يكافحون لإنقاذ مواشيهم، وأسر تدفعها الكوارث المناخية إلى النزوح بحثاً عن فرصة جديدة للحياة. إنها أزمة تتجاوز حدود البيئة لتطال الأمن الغذائي وسبل العيش والاستقرار الإنساني لملايين اليمنيين.
ومع استمرار تدهور الأراضي وتراجع الموارد المائية واتساع رقعة الجفاف، يحذر الخبراء من أن كلفة التقاعس عن مواجهة التصحر ستكون باهظة. فالقضية لم تعد تحدياً بيئياً فحسب، بل أصبحت قضية تنمية وأمن واستقرار.

ورغم جسامة التحديات، لا تزال الفرصة قائمة عبر استعادة الأراضي المتدهورة، وتعزيز الإدارة المستدامة للمياه، وحماية الغطاء النباتي، وتمكين المجتمعات المحلية من التكيف مع التغيرات المناخية.

وبينما يواصل سالم أحمد مثنى مراقبة أرضه المتشققة في لحج أملاً في موسم يعيد إليها شيئاً من خضرتها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح اليمن في كبح زحف التصحر واستعادة ما فقده من موارده الطبيعية، أم أن الصحراء ستواصل التمدد على حساب الأرض والإنسان؟.