> «الأيام» العرب:
لم يعد القرن الأفريقي مجرد منطقة تقع على هامش صراعات الشرق الأوسط، بل يتحول تدريجيًا إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الإقليمي والدولي، بفعل موقعه على البحر الأحمر وخليج عدن، وقربه من طرق التجارة العالمية، وتداخل أزماته السياسية والأمنية مع مصالح قوى عربية وإقليمية ودولية.
وفي قلب هذه التحولات، تتحرك مصر بصورة أكثر وضوحًا نحو دول القرن الأفريقي، فيما تواصل إثيوبيا السعي إلى تعزيز حضورها البحري، بينما أصبحت الصومال وإريتريا وجيبوتي وأرض الصومال أطرافاً أساسية في معادلة تتجاوز حدودها المحلية.
تتحرك القاهرة خلال الفترة الأخيرة باتجاه بناء شبكة علاقات أمنية وسياسية أكثر كثافة في القرن الأفريقي، مع تركيز خاص على الصومال وجيبوتي وإريتريا.
وفي أحدث مؤشر على هذا التحرك، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات متكررة مع نظيره الجيبوتي حول أمن القرن الأفريقي والتطورات الإقليمية، في سياق اتصالات مصرية متزايدة مع دول المنطقة.
وتنظر القاهرة إلى أمن البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، ليس فقط بسبب قناة السويس، وإنما أيضًا بسبب موقعها عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر وحاجتها إلى حماية طرق التجارة والطاقة.
لكن الحضور المصري الجديد لا يبدو منفصلًا عن التحولات التي تشهدها المنطقة. فكلما اتسعت المنافسة على الموانئ والقواعد البحرية والتحالفات، أصبحت القاهرة أكثر اهتمامًا ببناء علاقات مع الدول الواقعة على المسارات المؤدية إلى باب المندب.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للصومال، الذي يطل على خليج عدن والمحيط الهندي ويقع بالقرب من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ومن منظور القاهرة، فإن تعزيز التعاون مع مقديشو لا يتعلق فقط بمساندة الحكومة الصومالية، وإنما يرتبط أيضًا بتوازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتتزامن هذه التحركات مع استمرار الخلافات حول مستقبل أرض الصومال وعلاقاتها الخارجية، الأمر الذي يضيف طبقة أخرى إلى التنافس الإقليمي.
في المقابل، تواصل إثيوبيا البحث عن منفذ بحري دائم، بعدما أصبحت الدولة الأكثر سكانًا في العالم من دون منفذ بحري.
ويمثل هذا الطموح أحد أهم التحولات الاستراتيجية في المنطقة، لأن حصول أديس أبابا على منفذ بحري أو ترتيبات طويلة الأمد لاستخدام ميناء على البحر الأحمر سيغير موقعها الجيوسياسي بصورة كبيرة.
وكانت إثيوبيا قد سعت في السابق إلى ترتيبات مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، قبل أن تتغير الحسابات بعد التقارب الإثيوبي الصومالي والوساطة التركية.
وتظهر التحليلات الحديثة أن قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر أصبحت جزءًا من إعادة ترتيب أوسع للتحالفات في القرن الأفريقي، وأنها تتقاطع مع ملفات الموانئ والنفوذ العسكري والتنافس الإقليمي.
وهنا تتقاطع المصالح المصرية والإثيوبية بصورة غير مباشرة: القاهرة تريد بحرًا أحمر مستقرًا ومفتوحًا أمام مصالحها، بينما تريد أديس أبابا أن تصبح لاعبًا بحريًا رغم عدم امتلاكها ساحلًا.
وتحتل إريتريا موقعاً بالغ الحساسية في هذه المعادلة، بسبب امتلاكها ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر وميناءي مصوع وعصب، وبسبب علاقاتها المتقلبة مع إثيوبيا.
ولا يعني هذا بالضرورة نشوء محور مصري إريتري موجه ضد إثيوبيا، لكن التقارب يعكس أهمية إريتريا في أي ترتيبات مستقبلية لأمن البحر الأحمر.
فأسمرة تمتلك ما تفتقر إليه أديس أبابا: الساحل والموانئ والموقع المباشر على البحر الأحمر.
أما جيبوتي، فتتمتع بأهمية مختلفة. فهي تقع عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتستضيف حضورًا عسكريًا لقوى دولية متعددة، كما تمثل نقطة رئيسية في حركة التجارة المرتبطة بالقرن الأفريقي وإثيوبيا.
ولهذا فإن اهتمام مصر بتعزيز العلاقات مع جيبوتي يحمل بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية. فالدولة الصغيرة أصبحت واحدة من أهم العقد الاستراتيجية في المنطقة، وأي تحول في ترتيبات أمنها أو موانئها ينعكس على أمن البحر الأحمر وخليج عدن.
كما أن التنافس الدولي على الموانئ والبنية التحتية والممرات التجارية جعل دول القرن الأفريقي أكثر قدرة على استخدام موقعها الجغرافي للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية.
وتظل أرض الصومال واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية. فالموقع الاستراتيجي للمنطقة على خليج عدن جعلها محط اهتمام قوى إقليمية ودولية، خصوصًا بعد الاعتراف الإسرائيلي بها، وما تبع ذلك من تداعيات على علاقة مقديشو بعدد من الأطراف.
وهنا تبرز مخاوف صومالية ومصرية من أن يؤدي تحول أرض الصومال إلى قاعدة نفوذ خارجية إلى تغيير التوازنات في جنوب البحر الأحمر.
وفي المقابل، ترى قوى أخرى أن الاستثمار في الموانئ والممرات البحرية يمكن أن يوفر مصالح اقتصادية وأمنية جديدة.
وبذلك أصبحت أرض الصومال مثالًا واضحًا على التحول الذي تشهده المنطقة: الموانئ لم تعد مشاريع اقتصادية فقط، بل أصبحت أدوات نفوذ سياسي وأمني.
ولا يمكن فصل كل هذه التحولات عن السودان. فالحرب المستمرة هناك جعلت ساحل البحر الأحمر والحدود الشرقية للسودان جزءاً من الحسابات الإقليمية.
وتتقاطع في السودان مصالح مصر وإريتريا وإثيوبيا وقوى خليجية ودولية، فيما يمكن لأي تحول في مسار الحرب أن يعيد رسم التوازنات على الساحل السوداني.
كما أن التقارير الدولية الأخيرة حول شبكات الدعم الخارجي للحرب تؤكد أن الصراع السوداني لم يعد شأنًا داخليًا، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالتنافس الإقليمي على القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ما يجمع هذه الملفات هو أن البحر الأحمر أصبح نقطة التقاء بين الأمن والتجارة والطاقة والسياسة.
وبالنسبة لمصر، فإن الحفاظ على استقرار البحر الأحمر وحماية قناة السويس يتطلبان حضورًا سياسيًا وأمنيًا أكبر في محيط باب المندب والقرن الأفريقي.
أما إثيوبيا، فتتعامل مع الوصول إلى البحر باعتباره جزءًا من طموحها لتوسيع وزنها الاقتصادي والاستراتيجي.
وبين الطرفين، تجد دول مثل الصومال وجيبوتي وإريتريا وأرض الصومال نفسها أمام فرصة لتعزيز أهميتها، لكنها تواجه في الوقت نفسه خطر التحول إلى ساحات للتنافس بين القوى الإقليمية.















