​قد تبدو المفارقة كبيرة في القول إن الحرب الدائرة في تعز والحديدة والساحل الغربي يمكن أن تكون جزءًا من العدّ التنازلي نحو السلام، لكن قراءة المشهد اليمني من زاوية أوسع تكشف أن استمرار العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة أن الأطراف تستعد لحرب مفتوحة بلا نهاية. ففي كثير من الأحيان تكون المعارك الأخيرة محاولة لتحسين مواقع التفاوض قبل الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة، خصوصًا عندما تصل الأطراف الإقليمية إلى قناعة بأن الحسم العسكري الكامل لم يعد ممكنًا، وأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من عوائدها السياسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التحول السعودي المحتمل باعتباره بحثًا عن مخرج من الملف اليمني، والتفرغ بصورة أكبر للمشروعات والتحولات الداخلية التي تتطلب بيئة إقليمية أكثر استقرارًا. فالمملكة، بعد سنوات من الحرب والتدخل المباشر وغير المباشر، تدرك أن اليمن لا يمكن أن يُدار بمنطق القوة وحده، وأن التسوية السياسية تظل الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الاستنزاف. ولذلك فإن أي تحرك باتجاه التفاوض، أو إعادة ترتيب العلاقة مع مختلف القوى اليمنية، بما فيها الحوثيون، قد يمثل انتقالًا من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية.

لكن المشكلة الأساسية أن أي سلام لا يعالج جذور القضية الجنوبية سيكون سلامًا ناقصًا وقابلًا للانفجار من جديد. فالجنوب ليس تفصيلًا هامشيًا في الأزمة اليمنية، ولا مجرد طرف يمكن استدعاؤه في نهاية المفاوضات لتوقيع ما يتم الاتفاق عليه بين القوى الأخرى. القضية الجنوبية أصبحت قضية سياسية وحقوقية ذات حضور شعبي واسع، وأي صيغة للحل تتجاهلها أو تحاول اختزالها في ترتيبات إدارية أو مناصب سياسية لن تكون قادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد.

ومن هنا تأتي أهمية أن تتعامل جميع الأطراف مع مطالب الجنوبيين بجدية، وفي مقدمتها مطلب فك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية بحدود ما قبل عام 1990، أو الوصول إلى صيغة سياسية تحقق للجنوبيين حقهم في تقرير مستقبلهم بحرية. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على فرض وحدة سياسية بالقوة، وإنما على الاعتراف بحقوق الشعوب ومخاوفها وتطلعاتها، وترك الباب مفتوحًا أمام تسوية عادلة تحظى بالقبول الشعبي.

إن مستقبل عدن والجنوب لا ينبغي أن يبقى رهينة للصراعات الإقليمية أو لتجاذبات القوى اليمنية. فالجنوب بحاجة إلى مشروع سياسي يتجاوز أخطاء الماضي، ويؤسس لدولة فيدرالية حديثة، مؤسساتها قوية، وقرارها نابع من إرادة أهلها، وقادرة على إقامة علاقات متوازنة وإيجابية مع محيطها، بما في ذلك اليمن نفسه.

وفي النهاية، فإن السلام الذي لا يمنح الجنوبيين مكانهم الحقيقي على طاولة التسوية لن يكون سلامًا مستدامًا. وإذا كانت الحرب تقترب من نهايتها، فإن الاختبار الحقيقي أمام المجتمع الإقليمي والدولي هو: هل ستُطوى الحرب فقط، أم ستُطوى معها أسبابها السياسية؟ فالسلام المستدام يبدأ عندما يشعر كل طرف أن مستقبله لا يُرسم من وراء ظهره.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن