> أنور العنسي:
يكاد لا يمر يوم واحد على "حرب التصعيد" التي أشعلتها جماعة الحوثيين في الآونة الأخيرة حتى يتكشف المزيد من فضائح ميليشياتها بدءًا من الزج في هذه المعركة بآلاف الأطفال والقاصرين والمراهقين الفقراء المغرر بهم وليس انتهاء بالاستعانة بمقاتلين أفارقة تحيط الشبهات بظروف توريطهم في هذه الحرب سواء باستغلال نزعاتهم المتطرفة أو بالإكراه وغير ذلك.
في الأيام القليلة الماضية، كشف الجيش اليمني عن عثور قواته، خلال العمليات العسكرية الجارية في الساحل الغربي للبلاد "على جثث عدد من العناصر الذين كانوا يقاتلون في صفوف ميليشيا الحوثي الإرهابية"، وتبين من خلال عملية التحقق أنهم ينتمون إلى جماعة "الشباب الصومالية الإرهابية"، ذلك فيما اعتبرته المصادر العسكرية اليمنية نوعًا من "التنسيق والتخادم بين ميليشيا الحوثية والجماعات الإرهابية في منطقة القرن الأفريقي".
أمرا كهذا غير مستبعد بل وارد إلى حدٍ كبير، رغم الاختلاف المذهبي الشديد بين الجماعتين المتطرفتين في اليمن والصومال. وكلتاهما مصنفة بالإرهاب، فإن القوات المسلحة اليمنية لم توضح طبيعة الأدلة التي استندت إليها في اتهام هؤلاء القتلى الصوماليين بانتمائهم لجماعة "الشباب" فالمعروف أن "الارهابيين المحتملين أو المشتبه بهم" لا يحملون وثائق أو بطاقات تدل على هويتهم عند مشاركتهم في مثل هكذا حروب أو أعمال عنف، ولكن من غير الممكن أن يكون هذا الاتهام قد اعتمد على سحنات وملامح هؤلاء القتلى ولون بشرتهم فقط.
هؤلاء الشبان الصوماليون قد لا يكونون الأفارقة الوحيدين الذين يقاتلون في صفوف الميليشيات فهناك إثيوبيون أيضًا، قد تكون ملابسات وظروف انخراطهم مختلفة، فردية أو لا علاقة لها ببعض التنظيمات المسلحة في بلادهم.
- النفوذ الحوثي في القرن الأفريقي
الكشف عن مقتل صوماليين من "جماعة الشباب" أعاد التذكير بتقارير عدة لصحف غربية ودراسات لمراكز بحثية يمنية تحدثت عن اتصالات رعتها إيران بين جماعة الحوثيين وما أسمته "الوجود الحوثي على الضفة الغربية للبحر الأحمر" في عدد من دول القرن الأفريقي وليس في الصومال فقط.
وكانت دراسة بهذا الصدد لمركز "المخا" اليمني أشارت إلى أنه مع دخول البلاد في حرب داخلية مع الحوثيين و"القاعدة" منذ عام 2004، أصبحت الحاجة الإيرانية لتهريب السلاح إلى اليمن تتطلب قدرًا مِن تنويع طرق التهريب وتأمينها، خصوصًا مع وجود القوات الدولية في خليج عدن وبحر العرب. هذا كما تفيد الدراسة ما فرض بدوره على "الحرس الثوري" الإيراني التعاون مع القراصنة الصوماليين لتحقيق عدة طرق لتهريب النفط الإيراني إلى دول الـقرن الأفريقـي وبيعه هناك، في محاولة لكسر العقوبات والحصار الاقتصادي المضروب على النظام الإيراني، إلى جانب "تهريب وبيع السلاح إلى الميليشيات المسلحة والجماعات المتمردة في المنطقة، بما في ذلك جماعة الحوثي باليمن".
وبحسب مركز "المخا"، فقد كشفت المخابرات الأميركية، منتصف العام الماضي، عن مساع لجماعة الحوثي لتسليح حركـة "الشباب المجاهدين" الصومالية.
- استغلال الحوثيين للاجئين الأفارقة
في 7 مارس 2021 اندلع حريق هائل في مركزٍ لاحتجاز الإثيوبيين في صنعاء، وقد اتصل بي صحافي من قومية الأرومو الإثيوبية يدعى جمدا سوتي ويعمل مديرا لمحطة إذاعة وتلفزيون موجهة إلى جالية الأرومو في كندا، وأبلغني بمقتل 450 لاجئًا إثيوبيًا حرقًا في صنعاء بسبب إلقاء عناصر ميليشيا الحوثي قنبلةً عليهم بعد أن ساوموهم بين الالتحاق بجبهات الصراع أو دفع مبالغ مالية للإفراج عنهم. وأضاف في مقابلة أجريتها معه لـ"بي بي سي عربي" أن "المحتجزين الأفارقة كانوا مضربين عن الطعام احتجاجاً على تخيير الحوثيين لهم بين الالتحاق بالجبهات أو دفع مبالغ مالية، وحينها تدخلت عناصر الميليشيا لفض الإضراب وألقت قنبلة عليهم".
وقد أمدّني سوتي، الذي يعمل كذلك رئيساً لشبكة "مستقبل أرومو" الإثيوبية، بمقطع فيديو مصور للحادث أرسله إليه أحد الناجين حيث قمت بعرضه على الفور. لكن ذلك لم يحرج الحوثيين أو يجعلهم يكترثون بما حدث، رغم دعوات منظمات حقوقية يمنية بتحقيق شفاف بمشاركة منظمة الهجرة الدولية، ومطالبة الحوثيين بوقف الانتهاكات في حق اللاجئين ومطاردتهم واعتقالهم حتى أصبحوا على مقربة من الحدود السعودية مع اليمن، وجلبهم عنوةً إلى مناطق احتجاز في صنعاء وغيرها من المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وقد تعهد الحوثيون بالتحقيق في هذه القضية إلا أنهم لم يكشفوا عن نتائج التحقيق إن كان قد تم أصلًا.
- كيف يصل الأفارقة إلى اليمن؟
نتيجة الأوضاع المضطربة في دول القرن الأفريقي كالحرب في السودان والنزاع بين الحكومة الإثيوبية وإقليم تيغراي والأحوال غير المستقرة في الصومال وإريتريا لا يزال الآلاف من هذه البلدان يفدون إلى اليمن، رغم الحرب الدائرة فيه، وذلك بحكم قرب شواطئه من هذه الدول سواء عبر خليج عدن أو البحر الأحمر، ويعمد تجار ومهربو البشر إلى نقل هؤلاء بأعداد كبيرة على متن مراكب وزوارق مهترئة من شواطئ تلك البلدان إلى سواحل اليمن وخصوصًا الجنوبية منها، وغالبًا في ظروف مناخية غير مواتية، حيث غرق الكثير من تلك السفن الصغيرة أو المراكب جراء العواصف والأنواء وهيجان البحار، أما من يستطيع منها الوصول إلى مقربة من اليابسة اليمنية فإنه يتم إلقاء ركاب تلك المراكب في عرض البحر، ومنهم نساء وأطفال لا يقوون على السباحة، فيموت الكثير منهم، ومن النادر أن تمكنت فرق الطوارئ والبحرية اليمنية من إنقاذهم وإغاثتهم نتيجة تواضع إمكاناتها وخبراتها في هذا المجال.
حين ذاك كانت هناك مخاوف أمنية لدى السلطات اليمنية من أن يشكل اللاجئون الصوماليون وغيرهم من الأفارقة مخاطر على السلم الأهلي في اليمن، سيما وأن هؤلاء قادمون من مناطق صراع في بلدانهم ولعل بعضهم كان طرفاً في تلك النزاعات، لكن الحكومة اليمنية قررت بالتعاون مع منظمة الهجرة الدولية إقامة مخيم كبير للاجئين الذين ينتظرون دراسة حالاتهم من قبل الأمم المتحدة بانتظار موافقة بعض الدول الغربية المانحة على استضافتهم.
وباستثناء بعض الحوادث الجنائية الفردية داخل المخيم أو خارجه فلم تسجل أي جرائم تذكر تهدد أمن اليمن كدولةٍ ومجتمع.
"المجلة"













