> جمال شنيتر:

​تطورات غرب تعز واختراقات ميدانية تدفع القوات الحكومية إلى إعادة ترتيب انتشارها جنوب المخا باتجاه ذو باب.

لم تعد المعارك الدائرة في غرب تعز مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية الممتدة منذ أكثر من عقد، بعدما امتدت المواجهات نحو الساحل ودفعت اختراقات ميدانية القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها إلى إعادة ترتيب انتشارها جنوب المخا باتجاه ذو باب وباب المندب.

فالمواجهات التي شهدتها محاور الكدحة ومقبنة وجبل حبشي وغيرها من مناطق غرب تعز على مدى الأسابيع الماضية، اكتسبت أهمية خاصة بحكم موقعها الجغرافي، بعدما أفضت إلى فتح ممرات أمام الحوثيين باتجاه الساحل، وصولاً إلى المخا.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت هذه الجبهات تصعيداً لافتاً مع محاولات حوثية للتقدم والسيطرة على مواقع مرتفعة وطرق استراتيجية، قبل أن تسجل الجماعة اختراقات في محور الساحل الغربي دفعت القوات الحكومية إلى إعادة ترتيب انتشارها جنوب المخا وتشكيل مركز قيادة بديل في مديرية ذو باب باتجاه باب المندب.

وتمنح هذه التطورات المعارك بعداً يتجاوز السيطرة على مواقع أو طرق جديدة، إذ إن انتقال الضغط العسكري نحو الساحل يعني اقتراب خطوط المواجهة من واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
تعز... بوابة المعركة نحو الساحل

تحتل تعز موقعاً استثنائياً في الجغرافيا العسكرية اليمنية، فهي تقع بين المرتفعات الداخلية والساحل الغربي، وتتيح السيطرة على عدد من محاورها الغربية والجنوبية الغربية إمكان الضغط باتجاه مناطق ساحلية ذات أهمية استراتيجية.

ومن هنا تبدو معارك الكدحة ومقبنة وجبل حبشي أكثر من مجرد مواجهات على مواقع عسكرية، إذ ترتبط المعركة في هذه المناطق بصورة مباشرة بمحاولة كل طرف التحكم في الطرق التي تصل المرتفعات بالساحل.

ويرى العميد حسين الحالمي، الباحث في الشؤون السياسية والعسكرية، أن قراءة التحرك الحوثي الحالي تستدعي النظر إلى تراكم عسكري طويل، استفادت خلاله الجماعة من الحروب السابقة والتضاريس والانقسامات داخل قوى الشرعية اليمنية، إضافة إلى ما حصلت عليه من إمكانات عسكرية بعد سيطرتها على مؤسسات الدولة في صنعاء.

ويشير الحالمي إلى أن الحوثيين استفادوا أيضاً من فترات الهدوء والهدن الأممية في إعادة بناء قدراتهم، بينما أتاحت الخلافات داخل معسكر الحكومة وتعدد مراكز القوة فرصاً إضافية للجماعة لتعزيز مواقعها.

لكن ما يلفت الانتباه في المرحلة الحالية، بحسب الحالمي، هو اتجاه التحركات الحوثية من جبهات اليابسة نحو مناطق أقرب إلى الساحل والممرات البحرية.
لماذا يمثل البحر أهمية للحوثيين؟

لا ترتبط أهمية الساحل بالموقع الجغرافي وحده، بل بالوظيفة الاستراتيجية التي يمكن أن يمنحها لأية قوة تمتلك نفوذاً عسكرياً عليه.

فالمناطق الواقعة حول المخا وذو باب وباب المندب تطل على الطريق البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، كما تمر في المنطقة بنية تحتية حيوية للاقتصاد العالمي، من خطوط الملاحة والطاقة إلى كابلات الاتصالات الدولية.

ويقول الحالمي إن وصول الحوثيين إلى مناطق حيوية على البحر سيكون تحولاً كبيراً في طبيعة الصراع، لأن الجماعة لن تكون عندها قوة برية تسيطر على أجزاء من اليمن فحسب، وإنما طرفاً يمتلك قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة الدولية.

وبحسب تقديره، راكم الحوثيون خلال السنوات الماضية خبرة وقدرات عسكرية في البر والبحر، مستفيدين من الدعم الإيراني وشبكات التهريب والتدريب، ومن الظروف الأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد.

ويضيف أن اتجاه الجماعة من البر نحو المناطق الساحلية يضع المخا وذو باب والمناطق المحيطة بباب المندب ضمن الحسابات، وهي مناطق لا يمكن فصل أهميتها العسكرية عن أمن البحر الأحمر وخليج عدن.
المخا وذو باب... ماذا يعني التحرك غرباً؟

لا يحتاج الحوثيون بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على الساحل لتحقيق مكسب استراتيجي، إذ يمكن للاقتراب من الطرق والمواقع المؤدية إلى المخا وذو باب أن يمنح الجماعة أوراقاً عسكرية وسياسية إضافية.

فالسيطرة على المرتفعات والطرق المؤدية إلى الساحل تتيح فرض ضغط أكبر على القوات المناوئة، كما يمكن أن توفر مواقع أكثر ملاءمة لاستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة ضد أهداف برية وبحرية.

وزادت التطورات الأخيرة من حساسية هذه الجبهة، بعدما دفعت اختراقات في محور الساحل الغربي القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها إلى إعادة ترتيب انتشارها جنوب المخا، مع تشكيل مركز قيادة بديل في مديرية ذو باب باتجاه باب المندب.

وتكتسب ذو باب أهمية خاصة لموقعها على المدخل الشرقي لباب المندب، قبالة جزيرة ميون التي تتوسط المضيق، مما يجعل أي انتقال للمعارك جنوباً أكثر ارتباطاً بحسابات حماية الممر البحري.

ومن هنا تكتسب معارك غرب تعز والساحل أهمية مضاعفة، إذ لم تعد المسألة مجرد دفاع عن مواقع داخل المحافظة، وإنما محاولة لمنع امتداد الضغط العسكري إلى مناطق أكثر حساسية على البحر الأحمر.
باب المندب... الخط الأحمر

إذا كان التحرك الحوثي غرب تعز يحمل أهمية عسكرية داخل اليمن، فإن الاقتراب من مناطق تمنح الجماعة نفوذاً مباشراً على باب المندب يحمل أبعاداً مختلفة تماماً.

فالمضيق أحد الشرايين الرئيسة للتجارة العالمية، وأي تهديد مستدام للملاحة فيه يمكن أن يرفع كلفة النقل والطاقة والتأمين، ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها، فضلاً عن الأخطار التي قد تطاول كابلات الاتصالات والبنية التحتية البحرية.

ولهذا السبب يعتقد الحالمي أن القوى الإقليمية والدولية لن تتعامل مع وصول الحوثيين إلى مناطق تمنحهم نفوذاً أكبر على باب المندب باعتباره تطوراً يمنياً داخلياً.

ويقول إن المعركة على اليابسة يمكن أن تستمر ضمن حدود الصراع اليمني، لكن وصول الحوثيين إلى مناطق مطلة على الممرات البحرية سيغير المعادلة بصورة جذرية، لما يحمله ذلك من تهديد للملاحة والتجارة والطاقة والاتصالات الدولية.

ويصف الحالمي الاقتراب من باب المندب بأنه "أمر مزعج للقوى الإقليمية والدولية"، محذراً من أن امتلاك نفوذ مباشر في هذه المنطقة الحساسة قد يؤدي إلى تغير واسع في موازين القوى.
إيران وحسابات البحر

ويربط الحالمي بين اتجاه التحركات الحوثية نحو الساحل والدور الإيراني في بناء قدرات الجماعة خلال السنوات الماضية.

وبحسب تقديره، يمثل الحوثيون بالنسبة إلى إيران ورقة استراتيجية في اليمن، خصوصاً في ظل موقع البلاد المشرف على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

ويرى أن تطور قدرات الجماعة لم يعد مرتبطاً فقط بالسيطرة على المدن والطرق، بل بإمكان استخدام الموقع الجغرافي لليمن في الضغط على الملاحة الدولية، مما يمنح أي نفوذ حوثي أكبر قرب باب المندب أبعاداً تتجاوز الداخل اليمني.
معركة برية... وقلق من تحولها إلى بحرية

حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن الحوثيين تمكنوا من فرض نفوذ مباشر على باب المندب، لكن اتجاه المعارك في غرب تعز والتطورات الأخيرة في محور الساحل يجعلان المضيق أكثر حضوراً في الحسابات العسكرية والسياسية.

وتكمن حساسية الوضع في أن الفاصل بين المعركة البرية والبحرية يصبح أضيق، كلما اقتربت خطوط المواجهة من ذو باب والمناطق المطلة على باب المندب.

ويعتقد الحالمي أن القوى الإقليمية والدولية ستسعى إلى منع سيناريو يمنح الحوثيين نفوذاً أكبر قرب الممرات البحرية، لأن ذلك سيعني، في تقديره، انتقال الصراع اليمني إلى مستوى مختلف تماماً.

وهكذا، تبدو معركة غرب تعز مرتبطة بسؤال يتجاوز المحافظة نفسها: هل يحاول الحوثيون تحويل الضغط العسكري من المرتفعات إلى الساحل وجعل البحر امتداداً لجبهتهم البرية، أم تتمكن القوات الحكومية من وقف هذا المسار قبل وصوله إلى مناطق تمنح الجماعة نفوذاً أكبر قرب باب المندب؟

فكلما اقتربت المواجهات من باب المندب، تراجعت حدود الصراع اليمني الداخلي واتسعت حساباته الإقليمية والدولية.

اندبندنت عربية