> رفيق خوري

 شعار الحوثيين المرفوع في كل المناسبات هو: "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل والنصر للإسلام"، لكن أول ما فعلوه بعد الوصول عسكريًا إلى ميناء المخا وباب المندب على البحر الأحمر وقصف منشآت "أرامكو" وسواها في السعودية بالصواريخ وتجاوز كل الخطوط الحمر بإرسال مسيرة جرى إسقاطها قرب مكة المكرمة، هو العكس: التقوا مسؤولين في السفارة الأميركية لدى سلطنة عمان وأبلغوهم أنهم لن يغلقوا باب المندب أمام السفن الأميركية والسفن الإسرائیلية مع استمرار الحظر على السفن السعودية. وليس ذلك خارج سلوكهم السياسي والعسكري المألوف، فهم لعبوا كل الأوراق الممكنة، على تناقضها، لخدمة مسارهم إلى السلطة.

خاضوا ست حروب مع الرئيس علي عبدالله صالح، ودخلوا في التسوية اليمنية بعد الثورة عليه، ثم انقلبوا على التسوية بالتحالف معه بعد خروجه من السلطة، ثم قتلوه لينفردوا بالسلطة بعدما استولوا على ما كان لدى جيشه من أسلحة. ارتبطوا بإیران وخاضوا حروبًا بالوكالة عنها وحروبًا بالأصالة عن أنفسهم، وبدأوا يحتفلون بذكرى "الصرخة الخمينية" وهم شيعة زيدية لا شيعة اثنا عشرية، ويرددون عبارات من خطب مؤسس "أنصار الله" حسين الحوثي بمباركة والده بدر الدين الحوثي وخطب زعيمهم الحالي عبدالملك الحوثي شقيق حسين. تعلموا درس هوشي منه القائل: "الزمن هو الشرط الذي يجب ربحه لهزيمة العدو"، وعملوا في الهجوم الأخير برأي الجنرال جياب: "تحكم بتوقيت التصعيد ومداه حين تكون مستعدًا ومحتاجًا إلى التصعيد".

منذ عام 2021 واتفاق وقف النار مع القوات المشتركة هدأت الجبهات في اليمن، فجاءت عملية "طوفان الأقصى" لتعطيهم دورًا في قضية فلسطين عبر توجيه الصواريخ إلى إسرائيل، بصرف النظر عن قدرة وصولها. ضربتهم إسرائيل فاعتبروا ما يدمره القصف ربحًا سياسيًا، وضربتهم أميركا فاختاروا وقف نار معها عام 2025، ثم نضجت ظروف الهجوم على الساحل بعد أعوام من التفاهم على وضع ميناء الحديدة.

يقول المتخصص في مجال العلوم السياسية والقضايا الدولية في جامعة جورج واشنطن مارك لينش إنه "لا أحد يربح حرباً بالوكالة، لكن الحروب بالوكالة فتحت الطريق إلى لاعبين أقوياء غير دولتيين". والحوثيون لعبوا الورقة على الوجهين: فمن جهة شاركوا مثل "حزب الله" في لبنان والحشد الشعبي في العراق في حروب إيران بالوكالة، وحصلوا على الأسلحة والمال والخبرة ودعم "المستشارين" العسكريين، وبدوا قوة قوية غير دولتية قطعت مساراً طويلاً من معقل الجماعة في صعدة إلى المخا وباب المندب بعد التمركز في صنعاء العاصمة، ومن جهة أخرى أوحوا أنهم يقتربون من تحقيق هدفهم عبر الجانب الآخر من الحرب بالأصالة.

والهدف معروف: إعادة اليمن إلى حكم الإمامة: من أسرة حميد الدين إلى أسرة بدر الدين الحوثي، أما الجمهورية التي أقیمت بعد الثورة على حكم الإمام البدر، فإنها في نظر الحوثيين وأنصار الإمامة حادثة عارضة في تاريخ اليمن، وأما ولاية الفقيه التي يتحالفون معها ويقتربون من مفهومها فإنها لإيران والمؤمنين بها من الشيعة الاثني عشرية في البلدان العربية، ومع الأخذ في الاعتبار خصوصية اليمن وتراث الإمامة والإمارة ضمن عقيدة الشيعة الزيدية. وليس هذا سهلًا، ولو تمدد الحوثيون عسكريًا في ولايات يمنية عدة، فالحوثيون يشكلون نحو 30 في المئة من الشيعة الزيديين الذين يفوقهم "الشوائع" السنة في العدد. وإذا سيطر الحوثيون على كل الشمال، وهذا صعب لأن المعارضين لهم في الحكومة المعترف بها دوليًا أكثر منهم عددًا، ويتمتعون بدعم القوات المشتركة ودول الخليج ومعظم الدول العربية، فإن عودة الجنوب إلى ما كان عليه قبل الوحدة مع الشمال تصبح أمرًا واقعًا، وهي كادت تحدث في العام الماضي.

والحرب في اليمن وأفغانستان تاریخ طويل مستمر ونوع من المهنة، فمنذ "اللعبة الكبرى" بين بريطانيا وروسيا القيصرية حتى الغزو السوفياتي ثم الغزو الأميركي و"طالبان" وما قبلهم لم تهدأ أفغانستان، لا بل إن أميركا التي أسقطت حكم "طالبان" أعادتهم إلى السلطة بعد عقدين من القتال. واليمن السعيد أيام الإمامة لم يكن سعيدًا في الواقع، ولا كانت أيام الجمهورية أقل بؤسًا سياسيًا واقتصاديًا، والنسخة الحوثية من الإمامة لن تكون خارج ما يسميه محمد أركون "العقل الأبدي الإسلامي".

وما أكثر الأخطار في الأفق، فالاعتداءات الحوثية على السعودية ستواجه قوة كبيرة وتحالفات إقليمية ودولية، واندفاع إيران في "عسكرة" مضيق هرمز الذي وجدت فيه بديلًا من القنبلة النووية وأداة للضغط الاقتصادي والطاقوي على أميركا والعالم سيقود إلى تعطيل هذا السلاح، وتوجه الحوثيين إلى "عسكرة" باب المندب وبدء الضغوط على حرية الملاحة في البحر الأحمر سيقود حتمًا إلى تحالف القوى المتضررة بما ينهي سيطرة الحوثيين، واللعب على الوقت اليوم ليس لمصلحة من يلعب مع العالم لعبة خشنة جدًا.
"اندبندنت عربية"