الاثنين, 15 يونيو 2026
1,422
حين سكتت مدافع الحرب العالمية الثانية وخَفُت أزيز الطائرات، انفتحت في بلدان العالم العربي والصين صفحة تاريخية كبرى عنوانها التحرر الوطني وبناء الدولة المستقلة. فقد نهضت شعوبها، بعد تضحيات جسيمة، طلباً للسيادة والكرامة والعدالة، وسعياً إلى إقامة أوطان قادرة على صون استقلالها وتوفير شروط العيش الكريم لمواطنيها. غير أن نهاية الاستعمار المباشر لم تعنِ بالضرورة نهاية الهيمنة؛ إذ سرعان ما أعادت القوى الاستعمارية إنتاج نفوذها بأدوات جديدة: اقتصادية وسياسية وثقافية ورمزية، صار يشار إليها في الأدبيات السياسية بمفهوم الاستعمار الجديد.
ومن بين أخطر هذه الأدوات تحويل بعض القيم النبيلة، كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات، إلى معايير انتقائية تُستعمل أحياناً بوصفها وسائل ضغط لا بوصفها مبادئ كونية عادلة. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الحرية أو الديمقراطية؛ فهما غايتان إنسانيتان ساميتان، غير أن اختزالهما في إجراءات شكلية أو في نماذج مستوردة منزوعة من سياقها الاجتماعي والثقافي قد يحولهما من قوة تحرير إلى مدخل للاضطراب والتفكك. فالحرية لا تُزرع في المجتمعات كما تُزرع الشتلات في أرض غريبة؛ إنها تنمو من داخل البنية التاريخية والثقافية والاقتصادية للأمم، وتحتاج إلى أمن وعدالة ومعرفة ومؤسسات راسخة.
ومن هنا تنبع الفكرة المركزية لهذا النص: إن التنمية الشاملة والعادلة والمستدامة ليست نتيجة لاحقة للاستقرار السياسي فحسب، بل هي شرطه العميق وركيزته الأخلاقية والاجتماعية.
فالمجتمع الذي يرزح تحت وطأة الفقر والجهل والمرض والخوف لا يستطيع أن يمارس حريته السياسية ممارسة واعية ومستقلة. لذلك فإن أي حديث عن الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، إذا لم يبدأ من سؤال الأمن الإنساني والتنمية، يظل حديثاً ناقصاً مهما بدا براقاً في شعاراته.
إن الأمن الاقتصادي والاجتماعي ليس ترفاً سابقاً على السياسة، بل هو أساسها المادي والمعنوي. فالحق في الغذاء والمسكن والتعليم والرعاية الصحية والعمل والعدالة والمساواة ليس هامشاً في حياة الإنسان، بل هو الشرط الذي يمكّنه من امتلاك وعيه وإرادته.
وقد صاغ أبراهام ماسلو هذه الحقيقة في هرم الحاجات الإنسانية، حين جعل إشباع الحاجات الأساسية والأمن شرطاً للارتقاء إلى مراتب أعلى من الوعي والاختيار. وقبل ذلك بقرون طويلة عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى في سورة قريش بقوله تعالى: "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، جامعاً بين الغذاء والأمن بوصفهما قاعدتين للحياة الإنسانية المستقرة.
وعلى هذا المعنى يؤكد أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، حين يقرر أن “التنمية حرية”. فالتنمية ليست مجرد نمو في الناتج أو تراكم في الثروة، بل توسيع لقدرات الإنسان وإمكاناته واختياراته.
وتقدم التجربة الصينية خلال العقود الأربعة الأخيرة مثالاً بالغ الدلالة على أثر التنمية في تحرير الإنسان من أسر الفقر والمرض والجهل؛ إذ انتشلت مئات الملايين من دائرة الفقر، وبنت قاعدة واسعة للتعليم والصحة والبنية التحتية والإنتاج، بما جعل التنمية مشروعاً وطنياً شاملاً لا شعاراً سياسياً عابراً.
وتكشف التجربة اليمنية، ومعها تجارب عربية أخرى، خطورة وضع العربة قبل الحصان. فقد أُدخلت مجتمعات مثقلة بالفقر والأمية والضعف المؤسسي في تجارب سياسية حادة قبل أن تكتمل شروطها الاجتماعية والتنموية، ثم جاءت التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية لتدفعها إلى الفوضى والحرب.
فالديمقراطية لا تنمو في فراغ، ولا تُختزل في صندوق اقتراع أو هتاف جماهيري؛ إنها بناء مؤسسي وقانوني وثقافي طويل المدى، يقوم على توازن القوى، وسيادة القانون، ووجود مواطن قادر على الاختيار الحر لا مواطن محاصر بالحاجة، والخوف والضغط الاجتماعي والسياسي.
وليس مصادفة أن تشهد كثير من البلدان الخارجة من الاستعمار موجات طويلة من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة. فقد تحولت هشاشة الدولة، وضعف التنمية، وتداخل المصالح الخارجية، إلى بيئة خصبة لاستدامة العنف. وحين يستقر ثالوث الفقر والجهل والمرض في حياة الشعوب، تصبح الحرية فكرة بعيدة، ويغدو الاستقرار حلماً مؤجلاً. ولذلك فإن صناعة السلاح وتغذية الصراعات وتمويلها لا تنفصل عن سؤال التنمية؛ فكل مورد يُهدر في الحرب هو مورد يُنتزع من التعليم والصحة والغذاء والبنية التحتية وبناء الإنسان.
وفي هذا السياق يبرز اليمن بوصفه مثالا مؤلما على تداخل العوامل الداخلية والخارجية في تفكيك الدولة وإعاقة التنمية. فالحرب التي اندلعت منذ عام 2014 خلّفت مأساة إنسانية واسعة، وأعادت المجتمع سنوات طويلة إلى الوراء. ولا يمكن فهم هذه الكارثة بمعزل عن التدخلات الإقليمية والدولية، ولا عن توظيف الأيديولوجيا والدين والسياسة في صراعات النفوذ.
فحين يتحول الدين إلى أداة تعبئة سياسية مغلقة، أو تتحول الدولة إلى مشروع تحتكره القبيلة أو المذهب أو السلالة، أو أي منطوق عقائدي توسعي، يصبح السلام والاستقرار رداءً زائفا وهشّا، وتغدو المجتمعات مهددة بفائض من العنف المقدس. لذلك فإن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، ووقف التدخلات، وبناء منظومة إقليمية تقوم على المصالح المشتركة لا على تصدير الأزمات.
إن القرن الحادي والعشرين يكشف عن مفارقة حضارية عميقة: عالم بلغ فيه الإنسان ذروة غير مسبوقة من التقدم العلمي والتكنولوجي، لكنه لم يبلغ الدرجة ذاتها من النضج الأخلاقي والسياسي.
تقدم مذهل في علوم الطبيعة والفضاء والذكاء الاصطناعي، يقابله تراجع مقلق في عدالة التنظيم الاجتماعي والاقتصادي. فالبشرية التي استطاعت أن تفك شيفرات الجينوم وتخترق الفضاء لم تستطع بعد أن تبني نظاماً عالمياً عادلاً يضمن الحد الأدنى من الكرامة لكل إنسان.
وتزداد هذه المفارقة حدة حين نرى الحروب الأهلية تلتهم المجتمعات، والتغير المناخي يهدد موارد الحياة، والأوبئة تعبر الحدود، بينما تتركز الثروة في أيدي قلة محدودة تزداد نهما وتعطشا للمزيد وبأي ثمن.
ولذلك فإن التنمية المستدامة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها برنامجاً اقتصادياً فحسب، بل بوصفها فلسفة للوجود المشترك. إنها سؤال عن حدود القوة، وعن مسؤولية الإنسان تجاه الطبيعة، وعن العلاقة بين الكفاءة والعدالة، وبين الربح والكرامة. فحين يتحول السوق إلى معيار وحيد للقيمة، وتتحول الطبيعة إلى مخزن مفتوح للاستهلاك، يفقد العالم توازنه الأخلاقي والبيئي معا.
لقد كان مالتوس، رغم ما في نظريته السكانية من تشاؤم تاريخي، يلمس جانباً من الحقيقة حين نبه إلى أن الطبيعة لا تقف صامتة أمام اختلال التوازن بين الإنسان وموارده.. غير أن المشكلة المعاصرة لم تعد في عدد السكان وحده، بل في نمط الإنتاج والاستهلاك، وفي سوء توزيع الثروة، وفي غياب الحوكمة العالمية العادلة. فالأرض لا تعجز عن إطعام البشر بقدر ما تعجز الأنظمة الاقتصادية والسياسية عن توزيع الموارد بعدالة وترشيد استخدامها بحكمة.
وعلى الرغم من النمو الهائل في حجم الثروة العالمية خلال العقود الأخيرة، فإن توزيعها ظل شديد الاختلال بين الدول وداخلها. وتكشف الفجوات المتزايدة في الدخل والملكية عن مأزق بنيوي في النظام الاقتصادي العالمي: فهو شديد اليقظة تجاه الكفاءة والربح، لكنه غالباً ما يكون ضعيف الحساسية تجاه العدالة والإنصاف.
ومن هنا تصبح التنمية المستدامة مشروعا أخلاقيا وسياسيا قبل أن تكون مشروعا تقنيا؛ لأنها تسأل: لمن تُنتج الثروة؟ ومن ينتفع بها؟ وما الثمن الإنساني والبيئي المدفوع في سبيلها؟
تبدو هذه الصورة العالمية أكثر قسوة في العالم العربي، حيث تتجاور الثروات الطبيعية والمواقع الإستراتيجية والتخمة المالية مع الحروب الأهلية والهشاشة المؤسسية والفقر والبطالة وتدهور الأمن الغذائي.
إن المنطقة العربية، بما تمتلكه من موارد بشرية وطبيعية وموقع جغرافي فريد، قادرة على أن تكون فضاءً للتنمية والازدهار، لكنها لا تزال تدفع ثمناً باهظاً لضعف التكامل العربي، واستمرار التبعية الاقتصادية، وتداخل الصراعات الإقليمية والدولية على أرضها.
لقد أسهم الإرث الاستعماري في تكريس نمط من تقسيم العمل الدولي جعل من كثير من البلدان العربية مصدراً للمواد الخام وسوقاً للاستهلاك، بدلاً من أن تكون مراكز للإنتاج والمعرفة والتصنيع. ولا تزال آثار هذا التقسيم حاضرة في بنية الاقتصاد العربي، وفي اعتماده المفرط على الخارج، وفي ضعف قدرته على تحويل الثروة إلى تنمية مستدامة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية عربية جديدة لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تنتقل إلى بناء مشروع تنموي طويل المدى يقوم على التكامل، وتنويع الاقتصاد، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، تكتسب الشراكة العربية – الصينية أهمية إستراتيجية خاصة. فالصين تقدم تجربة تنموية جديرة بالتأمل، لأنها استطاعت أن تربط بين التخطيط بعيد المدى، والاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع قاعدة الإنتاج، والحد من الفقر، واحترام خصوصية النموذج الوطني.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في استنساخها حرفياً، بل في استلهام منطقها العام: أن التنمية لا تتحقق بالوعظ السياسي، بل ببناء القدرات، وتعبئة الموارد، وتحديد الأولويات، وربط الاقتصاد بالمعرفة والتكنولوجيا والأسواق.
إن بناء شراكة عربية – صينية فعالة ينبغي أن يقوم على مبادئ واضحة: احترام السيادة الوطنية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، المصالح المتبادلة، نقل المعرفة، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة لا نحو الاستهلاك وحده.
ومن شأن هذه الشراكة، إذا أُديرت برؤية عربية موحدة، أن تفتح آفاقاً جديدة في مجالات البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والصناعة، والزراعة، والاتصال الرقمي، والتعليم التقني، بما يعزز الاستقلال التنموي ويحد من الهشاشة التي تجعل المنطقة مكشوفة أمام الأزمات العالمية.
إن المنطقة العربية، وهي تواجه تحديات الأمن والغذاء والمياه والطاقة والاستقرار السياسي، تحتاج إلى مقاربة جماعية تعيد الاعتبار لمفهوم الأمن الشامل للإنسان العربي. ولا يمكن لهذه المقاربة أن تنجح ما لم تقترن بإرادة سياسية عربية، وبمشروع تنموي واضح، وبشراكات دولية متوازنة لا تقوم على التبعية أو الإملاء.
وفي الحالة اليمنية على وجه الخصوص، فإن إنهاء الحرب وبناء السلام العادل والشامل يمثلان المدخل الضروري لأي تنمية ممكنة. ومن ثم فإن الدور الصيني، بما يحمله من وزن دولي وتجربة تنموية ومبدأ معلن في احترام السيادة، يمكن أن يكون عاملاً مهماً في دعم مسار السلام وإعادة الإعمار، إذا اقترن بجهد عربي ودولي صادق يضع مصلحة الشعب اليمني فوق حسابات النفوذ والصراع.
وخلاصة القول إن الحرية لا تنفصل عن الخبز، والديمقراطية لا تزدهر في ظل الخوف، والسيادة لا تكتمل من دون تنمية. فالبلدان العربية لا تحتاج إلى وصفات جاهزة بقدر ما تحتاج إلى شروط عادلة تمكنها من بناء نموذجها الخاص في الحكم والتنمية.
وما لم يصبح الأمن الإنساني، والتنمية المستدامة، والعدالة في توزيع الموارد، واحترام خصوصية الشعوب، أسساً للنظام الدولي، فإن العالم سيظل يدور في حلقة مفرغة من الحروب، والفقر، والهجرة، والاضطراب. أما الطريق الأكثر حكمة فهو أن تُبنى السياسة على كرامة الإنسان، وأن تُقاس قوة الدول بقدرتها على صون الحياة لا بإتقان أدوات الهيمنة عليها.
عن "العرب اللندنية"