> عدن «الأيام» تحليل سياسي:

  • محللون: أي صدام مع السعودية قد يحول قضية الجنوب إلى أزمة إقليمية
  • دعوات جنوبية لتشكيل قيادة توافقية تحمل مشروع دولة مطمئن للداخل والخارج
تعيش القضية الجنوبية اليوم واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا، في ظل تحولات داخلية وإقليمية تفرض على مختلف القوى الجنوبية إعادة قراءة المشهد بعقلية سياسية مختلفة تتجاوز الشعارات والانفعالات، نحو بناء مشروع سياسي واقعي وقابل للحياة.

ويرى مراقبون أن أخطر السيناريوهات التي ينبغي على كل القوى الجنوبية العمل على تفاديها هو تحويل القضية الجنوبية من قضية صراع سياسي وتاريخي بين الجنوب والشمال إلى صراع مع المملكة العربية السعودية ذاتها، باعتبار أن هذا السيناريو يمثل - وفق متابعين - أكبر انتصار يمكن أن تحققه بعض القوى السياسية الشمالية التي تسعى إلى خلط الأوراق وإغراق الجنوب في صدامات مع محيطه الإقليمي.

كما يؤكد متابعون أن أي مشروع سياسي جنوبي لن ينجح دون معالجة المشكلات الحالية والاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الجنوب سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وخدميًا، باعتبار أن الوصول إلى مخرج سياسي مستقر يتطلب أولًا بناء بيئة داخلية قادرة على إنتاج دولة قابلة للاستمرار، لا مجرد كيان سياسي هش تحكمه الصراعات والانقسامات.

وتتصاعد داخل المشهد الجنوبي في الآونة الأخيرة نقاشات سياسية وفكرية تتجاوز الشعارات التقليدية، لتصل إلى جوهر القضية المرتبطة بشكل الدولة الجنوبية القادمة وطبيعة المشروع السياسي الذي يُراد تقديمه للداخل والخارج.

ورغم أن المجلس الانتقالي الجنوبي يرفع خطابًا سياسيًا يقوم على حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم وبناء دولة جنوبية فيدرالية حديثة، إلا أن حالة الجدل المتزايدة داخل الأوساط الجنوبية تكشف عن فجوة بين الشعارات المعلنة وطبيعة الممارسات السياسية والعسكرية والأمنية على الأرض، وهي فجوة بدأت تثير تساؤلات داخلية ومخاوف إقليمية في آن واحد.

ويرى مراقبون أن القضية الجنوبية تمر اليوم بمرحلة مفصلية تتطلب مراجعات عميقة تتجاوز لغة التعبئة السياسية والشعارات العامة، نحو صياغة مشروع دولة واضح المعالم وقابل للحياة والاستقرار، داخليًا وإقليميًا.
  • أولًا: التحديات الداخلية.. أزمة خطاب أم أزمة مشروع؟
داخل الجنوب، تتزايد الأصوات التي تدعو إلى إعادة قراءة المشهد بعقلية سياسية جديدة، بعيدًا عن الاستغراق في مفردات الماضي أو إعادة إنتاج تجارب سابقة انتهت فعليًا بقيام الوحدة اليمنية عام 1990.

ويعتقد كثير من المتابعين أن أحد أبرز الإشكالات التي تواجه المشروع الجنوبي يتمثل في استمرار استخدام مفردة "استعادة الدولة”، وهي عبارة تحمل أبعادًا سياسية وتاريخية معقدة، وتُفسَّر لدى قطاعات واسعة وكأنها دعوة للعودة إلى نموذج الدولة السابقة بكل ما حملته من مركزية وصراعات وتجارب سياسية مثيرة للجدل.

ويرى محللون أن الجنوبيين بحاجة اليوم إلى تجاوز فكرة العودة إلى دولة ما قبل 1990 بصيغتها القديمة، والتفكير بدلًا من ذلك في بناء دولة جنوبية جديدة بعقلية مختلفة، تقوم على المواطنة المتساوية، والشراكة السياسية، واحترام التنوع الجغرافي والاجتماعي داخل الجنوب.

وتبرز هنا إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة الممارسة على الأرض، إذ يرى منتقدون أن بعض الأدوات السياسية والعسكرية والأمنية المرتبطة بالمشهد الجنوبي قدمت نماذج متناقضة مع الخطاب المعلن، ما أعطى انطباعًا لدى بعض المكونات الجنوبية، خصوصًا في حضرموت والمهرة وأجزاء من شبوة، بأن المشروع المطروح لا يزال أقرب إلى إعادة إنتاج المركزية القديمة بدلًا من تأسيس شراكة حقيقية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن تقديم قيادة جنوبية جديدة بخطاب مختلف ورؤية أكثر انفتاحًا قد يمثل مخرجًا ضروريًا وحاسمًا لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي وقلب المعادلة الحالية داخليًا وخارجيًا. فالأزمة ــ بحسب متابعين ــ لم تعد مرتبطة فقط بالأهداف السياسية، بل أيضًا بطبيعة القيادات والأدوات القادرة على إدارة المرحلة المقبلة بعقلية دولة لا بعقلية الصراع أو الهيمنة.

ويعتقد محللون أن الجنوب بحاجة إلى قيادات تمتلك القدرة على بناء التوافقات الداخلية، وإدارة العلاقة مع المكونات المختلفة بروح الشراكة، وتقديم نموذج سياسي وإداري يطمئن الداخل والخارج معًا، خصوصًا في ظل حالة التآكل التي أصابت الثقة بين بعض المكونات الجنوبية نتيجة الصراعات والممارسات السابقة.

كما يرى متابعون أن أي تغيير حقيقي في صورة المشروع الجنوبي لن يتحقق دون تجديد أدواته السياسية والإعلامية والأمنية، وتقديم خطاب أكثر عقلانية ووضوحًا، يبتعد عن لغة التخوين والتعبئة، ويتجه نحو بناء الثقة وصناعة التوافقات الوطنية الجنوبية.

ويؤكد متابعون أن نجاح أي مشروع سياسي لا يعتمد فقط على عدالة القضية، بل على قدرة القوى التي تتبناه على تقديم نموذج عملي يطمئن مختلف المكونات، ويؤسس لدولة مؤسسات وقانون لا يشعر فيها أي طرف بالتهميش أو الإقصاء.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لصياغة رؤية سياسية واضحة تحدد شكل الدولة القادمة، وطبيعة نظامها السياسي، وآليات توزيع السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، بما يجعل المواطن الجنوبي نفسه مقتنعًا بالمشروع قبل محاولة تسويقه خارجيًا.

كما يحذر مراقبون من خطابات التصعيد أو التلويح بخيارات الكفاح المسلح لحسم الخلافات السياسية، معتبرين أن الجنوب يعيش أصلًا أوضاعًا اقتصادية وأمنية هشة، وأن أي انزلاق نحو صراعات داخلية قد يفتح الباب أمام الفوضى والإرهاب والانقسامات المناطقية، ويهدد وحدة الجغرافيا الجنوبية نفسها.

ويرى متابعون أن الحفاظ على الجنوب موحدًا لا يمكن أن يتحقق بالقوة أو المغالبة، بل عبر مشروع سياسي عادل يضمن الشراكة ويمنع إعادة إنتاج الصراعات القديمة بثوب جديد.
  • ثانيًا: البعد الخارجي.. هواجس الإقليم ومتطلبات الشراكة
إلى جانب التحديات الداخلية، تواجه القضية الجنوبية تحديًا لا يقل أهمية يتعلق بكيفية تقديم المشروع الجنوبي للإقليم والمجتمع الدولي.

فالمملكة العربية السعودية، باعتبارها أكبر جيران الجنوب وأكبر الداعمين اقتصاديًا وسياسيًا، تمثل عنصرًا محوريًا في أي معادلة مستقبلية تخص الجنوب، وهو ما يجعل أي خطاب سياسي قائم على الصدام أو استعداء الرياض خيارًا شديد الخطورة من الناحية السياسية والاستراتيجية.

ويرى مراقبون أن الجنوب بحكم الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والأمنية لا يستطيع بناء دولة مستقرة دون علاقة متوازنة مع محيطه الخليجي، وفي مقدمة ذلك المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.

كما يشير متابعون إلى أن المملكة تعد اليوم أكبر داعم اقتصادي للمناطق الجنوبية، من خلال دعم المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، وتمويل عدد من المشاريع الخدمية والتنموية، والمساهمة في دعم القطاع الصحي، وإعادة تأهيل بعض البنى التحتية، فضلًا عن الدعم الإنساني والإغاثي الذي قدمته عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان للإغاثة.

ويؤكد مراقبون أن كثيرًا من الخدمات الأساسية التي صمدت خلال السنوات الأخيرة ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بالدعم السعودي، سواء في قطاع الكهرباء أو الصحة أو الجوانب الإنسانية والإغاثية، وهو ما يجعل العلاقة مع المملكة مسألة مرتبطة بالمصالح الحيوية للناس، لا مجرد موقف سياسي عابر.

وفي المقابل، يرى متابعون أن بعض القوى السياسية، شمالية وجنوبية، لا تزال تدفع بخطابات إعلامية وسياسية تقوم على إثارة نعرات الكراهية ضد المملكة، واستخدام العلاقة معها كورقة للمزايدات السياسية أو التعبئة الجماهيرية، رغم حجم الدعم الذي قدمته للجنوب واليمن عمومًا خلال السنوات الماضية.

ويحذر محللون من أن خطاب التحريض ضد السعودية لا يخدم الجنوب سياسيًا ولا اقتصاديًا، بل يضعف فرص بناء شراكات إقليمية مستقرة يحتاجها أي مشروع دولة قادم، خصوصًا في ظل الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي لمعالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية.

ولهذا يؤكد متابعون أن أي مشروع سياسي جنوبي يحتاج إلى بناء صيغة شراكة وتفاهم مع الإقليم، تضمن طمأنة دول الجوار إلى أن الدولة القادمة ستكون عامل استقرار وتنمية، لا مصدر تهديد أو قلق سياسي وأمني.

ويشير محللون إلى أن مفردة "استعادة الدولة” تثير بدورها هواجس لدى بعض القوى الإقليمية، لأنها تعيد إلى الأذهان تجربة الدولة الاشتراكية السابقة وما ارتبط بها من صراعات إقليمية وتحالفات سياسية حادة خلال مرحلة الحرب الباردة.

ورغم اختلاف الظروف الحالية بصورة كبيرة، إلا أن استمرار استخدام الخطاب ذاته دون تقديم تفسير واضح لمعالم الدولة الجديدة قد يدفع بعض القوى الإقليمية إلى التعامل بحذر مع المشروع الجنوبي، خشية إعادة إنتاج منظومات سياسية قديمة بصيغ مختلفة.

ومن هنا تبرز الحاجة - وفق مراقبين- إلى انتقال الخطاب الجنوبي من فكرة "استعادة الماضي” إلى فكرة "بناء المستقبل”، عبر تقديم مشروع سياسي حديث يركز على التنمية، والشراكة، والدولة المدنية، والاقتصاد، والاستقرار، والعلاقات المتوازنة مع الإقليم.

كما يرى متابعون أن الإقليم لا ينظر فقط إلى الشعارات السياسية، بل يراقب طبيعة الأداء والممارسة على الأرض، ومدى قدرة القوى الجنوبية على إدارة مناطقها بصورة مستقرة، ومحاربة الفوضى والتطرف، وتقديم نموذج حكم قابل للاستمرار.
  • بين الاستعادة والبناء
في ظل هذه التعقيدات، تبدو القضية الجنوبية اليوم أمام اختبار سياسي حقيقي: هل تستطيع القوى الجنوبية الانتقال من مرحلة الخطاب العاطفي المرتبط بالماضي إلى مرحلة بناء مشروع دولة حديثة تستوعب الداخل وتطمئن الخارج؟

ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر لم يعد فقط في الوصول إلى الدولة، بل في شكل هذه الدولة، وطبيعة علاقتها بمواطنيها وجوارها الإقليمي، وقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية بعد عقود من الصراعات والأزمات.

ويؤكد متابعون أن نجاح أي مشروع وطني جنوبي لن يتحقق عبر الشعارات وحدها، بل من خلال بناء رؤية سياسية واقعية، تقوم على الشراكة الداخلية، والتفاهم مع الإقليم، وتقديم نموذج دولة حديثة تحترم الحقوق والحريات، وتتعامل مع المستقبل بعقلية الدولة لا بعقلية الصراع.