الاثنين, 15 يونيو 2026
99
ظهرت السياسة في كأس العالم، واختفت الرياضة.
صار الحديث عن التأشيرات أكثر من الحديث عن مهارات الهجوم والدفاع، وعن قرارات الهجرة أكثر من قرارات الحكام، وعن الحدود المغلقة أكثر من المرمى المفتوح.
وقبل أن تبدأ المباريات، كانت السياسة قد سجلت أول أهدافها.
نجحت النزعات المتطرفة والعنصرية الصاعدة في جرّ كرة القدم إلى مربع التصفيات السياسية، وتحولت البطولة التي قيل لنا إنها تجمع العالم وتوحده إلى اختبار جديد لمن يحق له دخول هذا العالم أصلًا.
فجأة لم يعد السؤال: من سيفوز بالكأس؟ بل: من سيُسمح له بالوصول إلى الملعب؟.
وهكذا انفجرت ملفات المنع والتأشيرات وقيود السفر، كاشفةً وجهًا آخر للعالم المعاصر؛ عالم يرفع شعارات الانفتاح نهارًا، ويبنى الأسوار ليلًا.
فهل سقط «الفيفا» في مستنقع السياسة؟.
ربما لم يسقط فجأة، بل سار إليه بخطوات واثقة، مدفوعا بإغراءات النفوذ والمال ومصالح الشركات الكبرى، حتى ابتعد كثيراً عن شعاره القديم:
«كرة القدم توحد العالم».
بل بدا وكأنه يرسخ فكرة أخرى أكثر قسوة: أن العالم مجرد ملعب كبير، وأن الناس ليسوا جمهوراً يشترى الفرح بتذكرة تجاوز سعرها ثلاثة آلاف دولار، بل هم اللعبة نفسها؛
كرة تتقاذفها أقدام اثنين وعشرين مليونيراً تحت أضواء الملاعب وعدسات البث العالمي.
ولسنوات، حاول جياني إنفانتينو، رئيس «الفيفا»، أن يقدم نفسه بوصفه حارس هذه الرسالة النبيلة. لكن الصورة أخذت تتغير شيئاً فشيئاً مع العلاقة الاستثنائية التى نسجها مع دونالد ترامب، حتى بدا أحياناً أن الطريق إلى كأس العالم يمر عبر البيت الأبيض أكثر مما يمر عبر الملاعب.
بل إن «الفيفا» افتتح مكتبًا داخل برج ترامب في مانهاتن، وكأن الاتحاد الدولي قرر أن يستبدل مقره الرمزي في ضمير الشعوب بعنوان بريدي داخل أحد أبراج السلطة والمال.
ومن هناك بدأت الأسئلة المحرجة: هل مازال «الفيفا» منظمة عالمية مستقلة؟ وماذا كان سيكون موقف الاتحاد الدولي لو أن إجراءات المنع والقيود التي طالت بعض المشاركين وكثير من الجمهور حدثت في دولة عربية؟.
أين تلك الحملات الصاخبة للدفاع عن قيم الرياضة وحرية التنقل والمساواة عندما يكون التنظيم في العالم العربي وما جاوره من العالم الثالث؟
لا شيء سوى صمتٍ طويل، وكأن الأهداف النبيلة للتجمع العالمي أصبحت أهداف تسلل لا يُعتد بها.
ومع انطلاق كأس العالم 2026 بدأت الشعارات الجميلة تتساقط واحدة تلو الأخرى.
فالضمانات التي كانت تُطلب من الدول المستضيفة بشأن حرية حركة الجماهير والمشاركين تبخرت أمام أول اختبار حقيقي، والوعود التي قُدمت للعالم بدت ككرات هوائية جميلة فقدت ضغطها بمجرد ملامسة أرض الواقع.
هنا يبرز السؤال الساخر الذى قد يبدو خياليًا اليوم، لكنه لم يعد مستحيلًا في زمن المفاجآت الكبرى:
إذا كان ترامب قد نجح في تغيير قواعد اللعبة السياسية في أمريكا والعالم، فهل سيحاول تغيير قواعد لعبة كرة القدم أيضاً؟ هل سيقترح أن يحصل فريقه المفضل على فرصة تسجيل هدف الفوز في مرمى الخصوم بعد إبعاد حارس المرمى؟ أو أن تُعاد المباراة إذا لم تعجبه النتيجة؟.
قد تبدو هذه الأفكار ساخرة، لكنها ليست أكثر غرابة من عالم أصبح فيه السياسيون يراجعون قواعد المؤسسات الدولية كما يراجع المدرب تشكيلته قبل المباراة.
والأغرب أن أحدًا لا يبدو منزعجًا كثيرًا من هذه الصورة. فـ«الفيفا» اليوم يبدو أقرب إلى سكان برج ترامب منه إلى سكان المدرجات. وفى النهاية، لم يعد العالم بالنسبة لكثير من القوى الكبرى سوى ملعب واسع، ولم تعد الشعوب سوى كرة تتقاذفها الأقدام الثقيلة للمصالح والنفوذ.
أما الملايين الذين يهتفون في المدرجات ويحلمون بلحظة فرح إنسانية خالصة، هم نفس الجماهير المغيبة في قضايا أخرى يكتشفون في كل مرة أن المباريات الحقيقية لا تُلعب فوق العشب الأخضر، بل خلف الأبواب المغلقة، حيث تُكتب القواعد، وتُوزع الامتيازات، ويُقرر من يحق له الدخول إلى الملعب ومن يبقى خارجه.
هنا فقط نفهم أن المشكلة ليست فى كرة القدم. بل فى عالم أصبح مجرد كرة. أما بالنسبة لكثيرين حول العالم، ولذاكرة التاريخ نفسها، فقد بدت صفارة النهاية لبريق القيم الأخلاقية التي طالما تغنى بها اتحاد كرة القدم؛ حين مُنع الحكم الصومالي عمر عرتن من المشاركة، رغم أنه يمثل الاتحاد الدولي لكرة القدم، فقط بسبب جنسيته ولون بشرته.
ومعه عشرات المشاركين والمشجعين الذين طالهم المنع.
هنا، ربما، أطلق عمر عرتن صفارة النهاية الحقيقية. صافرة تقول إن البطولة التي قيل إنها توحد العالم لم تعد سوى سوق ضخمة للثروات والمصالح، حيث تتراجع العدالة إلى مقاعد الاحتياط، ويجلس الضمير الرياضي خارج قائمة المشاركين.
"الأهرام"