أخر تحديث للموقع
الثلاثاء, 16 يونيو 2026 - 12:28 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • عدن.. حين تتعب المدينة

    شفيع العبد




    عدن ليست مجرد مدينة؛ إنها فكرة متجذرة في الوعي الجمعي لأبنائها وكل من عرفها. مدينة صنعت هويتها من التنوع والتعايش والانفتاح، وأعطت الجميع مساحة للحياة والعمل والانتماء دون أن تسألهم من أين جاؤوا أو إلى أي جهة ينتمون. ولهذا ظلت لعقود طويلة نموذجًا استثنائيًا في محيطها، وعنوانًا للمدنية وقبول الآخر.

    غير أن عدن اليوم ليست هي عدن التي عرفها أبناؤها. فقد تبدلت ملامح كثيرة فيها، وتراجعت بعض سمات مدنيتها، وانكمشت لهجتها الأصيلة في زواياها الصغيرة، بينما تصاعدت أصوات وخطابات لا تشبه روح المدينة ولا تاريخها، بل تثقل قلبها الذي ظل مفتوحًا للجميع.

    ولم يعد الألم مقتصرًا على التحولات التي أصابت هوية المدينة ونسيجها الاجتماعي، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية لسكانها. فعدن التي كانت يومًا نموذجًا للإدارة والخدمات والتنظيم المدني، تعيش اليوم واقعًا خدميًا صعبًا يثقل كاهل المواطنين ويضاعف معاناتهم.

    وفي مقدمة هذه المعاناة تأتي أزمة الكهرباء التي تحولت إلى كابوس يومي. ساعات انقطاع طويلة تتجاوز في كثير من الأحيان عشر ساعات متواصلة، في ظل صيف حارق ورطوبة خانقة، تجعل الحياة أكثر قسوة على المرضى وكبار السن والأطفال. وبين حرارة المناخ وقسوة الظروف المعيشية، يشعر العدنيون بأن مدينتهم تُترك وحيدة في مواجهة أزماتها المتراكمة.

    ورغم كل ذلك، تبقى حقيقة أثبتتها التجارب السياسية المتعاقبة: أن أي مشروع سياسي يتجاهل عدن أو يحاول تجاوز دورها المحوري، محكوم عليه بالتعثر. فعدن ليست مجرد جغرافيا أو ساحة نشاط سياسي، بل رافعة اجتماعية ووطنية لا يمكن لأي مشروع أن يحقق نجاحًا مستدامًا من دون حضورها الفاعل ومشاركتها الحقيقية.

    ولعل قيادات ونشطاء حراك 2007 كانوا أكثر إدراكًا لهذه الحقيقة. ففي سنوات البدايات كانوا يتوافدون إلى عدن لإحياء فعالياتهم المختلفة، ويؤكدون بوضوح أن التحاق أبناء عدن بالحراك يمثل شرطًا أساسيًا لنجاحه وتحقيق أهدافه. كانوا يدركون قيمة المدينة ومكانتها، ويعرفون أن رسالتها التاريخية قامت على التعايش والاندماج الاجتماعي لا على الإقصاء والتصنيف.

    في تلك المرحلة لم يكن السؤال المطروح: من أين أنت؟ بل كان الأهم: ماذا يمكن أن نقدم معًا لقضيتنا ومستقبلنا المشترك؟

    لكن المشهد تبدل مع مرور الوقت. فقد ظهرت خطابات جديدة فتحت أبواب الأسئلة الضيقة، وأطلقت موجات من الكراهية وشيطنة الآخر، وأضعفت النسيج الاجتماعي الذي شكّل أحد أهم عناصر قوة عدن وتميزها. ومع كل شرخ أصاب هذا النسيج، تراجعت القضية الجامعة لصالح صراعات وهويات فرعية أضرت بالجميع.

    اليوم، وبين انقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمات، وتراجع روح التعايش التي عُرفت بها المدينة، تبدو عدن وكأنها تدفع ثمنًا مضاعفًا؛ ثمن الأزمات المعيشية من جهة، وثمن الخطابات التي مزقت نسيجها الاجتماعي من جهة أخرى.

    ويبقى السؤال مفتوحًا: من يمتلك الشجاعة لإعادة الاعتبار لعدن التي عرفها الجميع؟ ومن يستطيع أن يطوي صفحات الكراهية ويعيد للمدينة روحها المدنية الجامعة؟

    فعدن، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها بقدر ما تحتاج إلى من يحافظ على جوهرها؛ ذلك الجوهر الذي جعل منها مدينة للجميع، لا مدينة لفئة دون أخرى.

المزيد من مقالات (شفيع العبد)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال