الثلاثاء, 23 يونيو 2026
87
سمعنا في طفولتنا حكايةً قديمةً كان الشيوخُ يروونها في ليالي السمر، عن شجرةٍ عظيمةٍ تتوسطُ أرضًا مباركة، تمتدُّ جذورُها عميقًا في التراب، وترفعُ أغصانَها نحو السماء.
قالوا إن الرياحَ كانت تهبُّ عليها من كلِّ جهة، فتتشابكُ أغصانُها، ويحتمي بعضها ببعض، وكأنها تدركُ أن العاصفةَ لا تفرّق بين غصنٍ وآخر.
وكانت أوراقُها كثيرةَ الألوان، مختلفةَ الأشكال، لكنها جميعًا كانت تستمدُّ حياتَها من جذرٍ واحد.
ويُروى أن فلاحًا كريمًا غرسها ذات يوم، فسأله حاكمٌ مرَّ بأرضه: "أتغرسُ شجرةً تعلمُ أنك قد لا تأكلُ من ثمارها؟".
فابتسم الفلاحُ وقال: "غرسَ من قبلُنا قومٌ فأكلنا، ونغرسُ اليومَ ليأكلَ من بعدِنا الأبناءُ والأحفاد. وإنني أرجو أن تتكاثرَ هذه الشجرةُ وتمنحَ الأرضَ ظلاً وخيرًا وسلامًا".
كبرتِ الشجرةُ عامًا بعد عام، وصارت مأوى للعابرين، ومظلةً للمتعبين، وعنوانًا للوحدةِ بين أغصانها.
لكن الأيامَ حملت معها رياحًا أشدَّ من كلِّ ما عرفته من قبل، فبدأت بعضُ الأغصانِ تنظرُ إلى الأغصانِ الأخرى كأنها غريبةٌ عنها، ونسيت بعضُ الأوراقِ أنها خرجت جميعًا من الجذرِ ذاته.
وعندها أدركتُ أن تلك الشجرةَ لم تكن مجردَ شجرة...
إنها اليمن.
اليمنُ التي ضمّت أبناءَها كما تضمُّ الشجرةُ أغصانَها، واليمنُ التي مهما أثقلتْها العواصفُ فإن جذورَها باقيةٌ في أعماقِ التاريخِ والوجدان.
وأنا مؤمنةٌ أن هذه الشجرةَ الطيبة التي حرسها اللهُ عبر القرون، لن تموتَ ما دام في أبنائها من يتذكرُ حكايةَ الجذر، ومن يؤمنُ أن السلامَ أقوى من الفرقة، وأن المحبةَ أبقى من الخصام.
وسيأتي يومٌ تعودُ فيه الأغصانُ إلى عناقِها، وتلتئمُ الجراحُ، ويكبرُ الظلُّ من جديد، وتثمرُ الشجرةُ خيرًا وبركةً.
وحينها سيحكي الأحفادُ حكايةً جديدةً عن اليمن، يقولون فيها: مرت عليها عواصفُ كثيرة، وكادت الأغصانُ أن تتباعد، لكنها تذكرتْ أخيرًا أنها خرجت من ترابٍ واحد، وشربت من ماءٍ واحد، وعاشت في جسدِ شجرةٍ واحدة.
فنهضت أقوى مما كانت، وأجمل مما كانت، وأصبحت مثالًا للعالم أن الأوطانَ العظيمة قد تتعب، لكنها لا تموت.
ودمتم سالمين..