الخميس, 09 يوليو 2026
123
لماذا يخشى المسؤول اليمني اتخاذ مواقف وطنية شجاعة؟ ولماذا لا نجد مسؤولون يبادرون من تلقاء أنفسهم إلى طرح أفكار أو تنفيذ مشاريع تخدم الوطن والمجتمع؟ ولماذا تراجعت الرقابة والشفافية والمساءلة داخل مؤسسات الدولة؟
إن فقدان المسؤول الحكومي للشجاعة وروح المبادرة والخضوع للمحاسبة أمر يبعث على القلق ، إذ يستحيل دفع البلاد نحو التقدم في غياب هذه القيم ، ولا أريد أن أكون قاسيًا على أحد، لكن من اللافت أن القضايا الجنائية والملاحقات القضائية المرتبطة بأنشطة بعض المسؤولين أصبحت تتكرر خلال السنوات الأخيرة دون أن يترتب عليها أثر ملموس من مساءلة أو استجواب أو محاسبة وهو ما يثير مخاوف المواطنين ويعمق شعورهم بانعدام العدالة.
وللتذكير، شهدت دول أوروبا الشرقية خلال المرحلة الانتقالية في تسعينيات القرن الماضي موجة واسعة من التحقيقات والاعتقالات عقب الكشف عن ملفات فساد وتلاعب في قطاعات مختلفة كان أبرزها قطاعا الكهرباء والطاقة ، وقد طالت المحاسبة شخصيات نافذة، حيث سجن بعضهم وصودرت ممتلكاتهم ، فيما فر آخرون إلى خارج بلدانهم.
أما في اليمن فيتساءل المواطن مثلاً هل ملف الكهرباء قضية خدمية أم سياسية؟ ولماذا أصبح هذا الملف بالغ التعقيد إلى درجة تبدو حلول هذه القضية مستحيلة ؟ ولماذا لا تحاسب الجهات أو الأشخاص الذين يعرقلون إصلاح هذا القطاع؟ ولماذا يلجأ المسؤول اليمني دائمًا إلى البحث عن حلول لمشكلاته الداخلية خارج البلاد بدلًا من معالجتها بإرادة وطنية؟
قبل الوحدة كان الشمال والجنوب يمتلكان إمكانات تؤهلهما لبناء دولتين أكثر استقرارًا وازدهارًا، إلا أن السياسات الخاطئة والعقليات المنغلقة لدى بعض القيادات ساهمت في فرض الفقر والتراجع على الجانبين ، ففي الجنوب جرى استيراد نماذج وحلول جاهزة من الخارج وتزايد التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، حتى انتهى الأمر بدولة هشة اقتصاديًا وسياسيًا ، أما في الشمال فقد أسهمت التدخلات الإقليمية في تكريس واقع سياسي واقتصادي محدود التطور، بما جعل مسيرة التنمية تراوح مكانها ، واليوم تبدو هناك محاولات لإعادة إنتاج واقع يقوم على الفقر والاعتماد على المساعدات والمنح والمكرمة بدلًا من بناء اقتصاد وطني منتج.
إن وضع اليمن اليوم يمثل مزيجًا من سلبيات المرحلتين السابقتين، ويعتقد كثير من المواطنين أن الدولة لا تؤدي مسؤولياتها تجاههم على النحو المطلوب وأن تحسين مستوى المعيشة وصون الحقوق ما زالا من أصعب التحديات، وفي الوقت نفسه يرى كثيرون أن تحقيق العدالة ما يزال ممكنًا، لكنه يظل احتمالًا ضعيفًا ويواجه عقبات كبيرة.
لقد أصبح حل المشكلات والدفاع عن الحقوق المنتهكة عبر مؤسسات الدولة مهمة بالغة الصعوبة ، فكثير من المسؤولين لا يبدون اهتمامًا كافيًا بمعاناة المواطنين، كما أن اللجوء إلى الجهات الرسمية لا يضمن في كثير من الأحيان الوصول إلى نتائج إيجابية ، وفي المقابل تزداد فرص الاستجابة عندما تتحول القضية إلى قضية رأي عام وتحظى باهتمام إعلامي واسع.