- قراءة في فرص النجاح والتحديات الاستراتيجية
جاء إعلان المملكة العربية السعودية تشكيل تحالف بحري دولي يضم أربع عشرة دولة لحماية الملاحة في البحر الأحمر ليمثل تحولاً مهماً في مقاربة الأمن الإقليمي. فبعد أكثر من عقد على انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، التي شاركت فيها حينها أكثر من 17 دولة، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري يربط الشرق بالغرب، بل أصبح أحد أهم ميادين الصراع الجيوسياسي في المنطقة، حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية مع أمن الطاقة والملاحة والتجارة العالمية.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الدول المشاركة في هذا التحالف، وإنما بقدرته على معالجة جذور التهديد، لا الاكتفاء باحتواء نتائجه.
فتجربة الحرب اليمنية منذ عام 2015 تؤكد أن امتلاك التفوق العسكري أو تشكيل التحالفات الكبيرة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية، إذا غابت الرؤية الموحدة، وتعددت مراكز القرار، وضعفت إدارة العلاقة مع القوى المحلية القادرة على صناعة الاستقرار.
- من عاصفة الحزم إلى حماية البحر الأحمر
عندما قادت الرياض تحالف عاصفة الحزم عام 2015، كان الهدف المعلن حينها استعادة الدولة اليمنية وإنهاء انقلاب الحوثيين. وها هي اليوم تعود المملكة لتقود تحالفاً جديداً، بمسمى مختلف هو حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ورغم اختلاف العنوان، فإن مصدر التهديد لا يزال واحداً، وهو جماعة الحوثي وما تمتلكه من قدرات عسكرية صاروخية وبحرية متطورة. وهذا يعني أن نجاح أي تحالف بحري سيظل مرتبطاً بما يجري على اليابسة اليمنية، لأن حماية السفن في عرض البحر لا تكفي إذا بقيت مصادر التهديد ذاتها قائمة على السواحل اليمنية.
كشفت سنوات الحرب أن الجنوب لم يعد مجرد ساحة هامشية يُنظر إليها في إطار الأزمة اليمنية المركبة، بل أصبح ركناً أساسياً في معادلة أمن البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بحكم موقعه الجغرافي وسيطرته على أهم السواحل والموانئ المطلة على هذه الممرات البحرية الحيوية.
وفي هذا الإطار، برزت القوات الجنوبية، التي تلقت دعماً وتأهيلاً وتدريباً عالياً من التحالف، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة، بوصفها واحدة من أكثر التشكيلات العسكرية احترافية وتنظيماً في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل والمنشآت اليمنية الحيوية. وخلال السنوات الماضية، تراكمت لدى هذه القوات خبرة ميدانية واسعة في إدارة العمليات الأمنية والعسكرية، وفي مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة في مختلف المناطق والمحافظات الجنوبية.
ومن منظور استراتيجي، فإن هذه القوات تمثل إحدى أهم أوراق القوة التي يمكن البناء عليها في أي مشروع لحماية البحر الأحمر، ليس لأنها قوة محلية فحسب، بل لأنها تمتلك المعرفة الجغرافية والخبرة العملياتية والحضور الميداني في أكثر المناطق ارتباطاً بأمن الملاحة الدولية.
ومن هنا، فإن أي مقاربة أمنية لا تمنح هذه القوة المكانة التي تستحقها، قد تحرم التحالف من أحد أهم عوامل النجاح على الأرض.
- هل أخطأت الرياض في إدارة الملف الجنوبي؟
شهدت الأشهر الأخيرة تطورات مهمة في حضرموت أعادت رسم جزء من المشهدين العسكري والأمني في الجنوب. ويرى كثير من المراقبين أن التدخل العسكري السعودي واستهداف الطيران السعودي للقوات الجنوبية في يناير 2025، وما رافقه من إعادة ترتيب وهيكلة للقوات العسكرية ولموازين القوى في الجنوب، لم يؤدِّ إلى تعزيز الأمن والتماسك الداخلي، بل أسهم في زيادة حالة الاستقطاب والاحتقان، وزيادة عدم الاستقرار في الجنوب، في وقت كانت فيه الحاجة تقتضي توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات المشتركة.
ولا يقتصر أثر ذلك على الداخل الجنوبي وحده، بل يمتد إلى البيئة الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر، لأن أي تراجع في مستوى التوافق والاستقرار داخل الجنوب ينعكس بصورة مباشرة على أمن السواحل والموانئ، وهي الركائز الأساسية لأي استراتيجية بحرية ناجحة.
- السياسة السعودية تجاه الجنوب
لعل أهم ما أفرزته تجربة السنوات الماضية أن نجاح أي مشروع إقليمي لحماية البحر الأحمر يقتضي مراجعة شاملة للمقاربة السياسية تجاه الجنوب. فالقضية الجنوبية لم تعد مجرد ملف داخلي في إطار الأزمة اليمنية المركبة، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في معادلة الأمن الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء شراكة استراتيجية أكثر رسوخاً مع الجنوب، تقوم على احترام إرادته السياسية، والتعامل الجاد مع تطلعات شعبه وحقه في تقرير مصير مستقبله واستعادة وبناء دولته، لا ينبغي النظر إليه بوصفه تنازلاً سياسياً، بل استثماراً واعياً في أمن المنطقة واستقرارها.
فكلما نجحت المملكة في بناء علاقة تقوم على الثقة والشراكة مع القوى الجنوبية الفاعلة، ازدادت فرص تشكيل جبهة أكثر تماسكاً في مواجهة الحوثيين، وتقلصت مساحة النفوذ الإيراني في اليمن، وتعزز أمن البحر الأحمر وخليج عدن أكثر على المدى الطويل.
- هل يؤثر غياب الإمارات وعُمان على نجاح التحالف؟
يثير التحالف البحري الجديد تساؤلات حول مدى تأثير غياب دولة الإمارات وسلطنة عُمان عن التحالف على فرص نجاحه، في ظل الدور المحوري الذي اضطلعت به الدولتان في الملف اليمني والأمن البحري خلال الفترة الماضية.
فقد كانت الإمارات أحد أبرز أعمدة عاصفة الحزم منذ عام 2015، وأسهمت في بناء وتدريب قوات جنوبية لعبت دوراً مهماً في مكافحة الإرهاب وتأمين السواحل والممرات البحرية، ما يجعل غيابها عن التحالف محل تساؤل لدى كثير من المراقبين. كما تمثل سلطنة عُمان لاعباً إقليمياً مهماً بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها كوسيط دائم مع مختلف الأطراف اليمنية.
وفي ظل ما شهدته العلاقات السعودية الإماراتية من تباينات خلال الفترة الأخيرة، فإن نجاح التحالف سيظل مرتبطاً بقدرته على تعزيز التنسيق بين القوى الإقليمية المؤثرة، والاستفادة من جميع عناصر القوة المتاحة، وفي مقدمتها القوات الجنوبية، باعتبارها شريكاً مهماً في حماية البحر الأحمر ومواجهة التحديات الأمنية.
يمكن للتحالف أن يحقق نجاحاً ملموساً في تقليل المخاطر على الملاحة الدولية، ورفع مستوى الردع، وتعزيز التنسيق البحري بين الدول المشاركة.
غير أن نجاحه الاستراتيجي سيظل مرهوناً بعدة عوامل رئيسية، أهمها:
وجود رؤية سياسية وعسكرية موحدة تتجاوز الحلول المؤقتة.
تعزيز التنسيق بين الشركاء الإقليميين، وتجاوز أي تباينات تؤثر في وحدة الجهد والهدف.
الاستفادة من القوى المحلية المؤهلة والفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها القوات الجنوبية، بوصفها شريكاً موثوقاً في منظومة الأمن الإقليمي.
معالجة أسباب وجذور الأزمة اليمنية، لأن أمن البحر الأحمر يبدأ من استقرار اليابسة المطلة عليه، وليس من البحر وحده.
نستخلص مما تقدم: أن البحر الأحمر لا يمكن حمايته بالأساطيل وحدها، وهذا ما أثبتته تجربة السنوات العشر الماضية، كما لا يمكن تأمينه بالتحالفات الدولية وحدها. فالأمن البحري يبدأ من استقرار اليابسة، ومن وجود شركاء محليين قادرين على فرض الأمن، ومن رؤية سياسية تستثمر عناصر القوة بدلاً من إضعافها.
إن الدرس الأكبر الذي قدمته تجربة اليمن خلال العقد الماضي هو أن التحالفات لا تُقاس بعدد الدول المنضوية فيها، بل بقدرتها على بناء شراكات حقيقية مع القوى المؤثرة على الأرض، وبحسن إدارة التوازنات السياسية والعسكرية.
ولذلك، فإن نجاح التحالف البحري الجديد لن يتوقف على حجم القطع البحرية التي ستجوب البحر الأحمر، وإنما على قدرة الرياض وشركائها على استخلاص دروس الماضي، وبناء مقاربة جديدة تعالج أسباب الأزمة قبل الاكتفاء بإدارة نتائجها.
فاستقرار البحر الأحمر يبدأ من استقرار الجنوب واليمن، ومن بناء شراكات سياسية وأمنية مستدامة مع القوى الفاعلة على الأرض، بما يحقق مصالح دول المنطقة، ويحد من تمدد الحوثيين ومشروع إيران، ويؤسس لأمن إقليمي أكثر استقراراً واستدامة.