أخر تحديث للموقع
الاثنين, 03 أغسطس 2026 - 12:48 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • هكذا علَّمتنا الحياة

    د. فضل العزب




    ليست الحياة دائمًا كما نرغب، بل كثيرًا ما تأتي محمَّلةً بالابتلاءات، لتختبر معدن الإنسان، ومدى قدرته على الصبر والثبات. وما بين أمنيات الأمس وواقع اليوم، يقف المواطن البسيط شامخًا، يحمل همومه بصمت، ويواصل السير، وكأن في قلبه يقينًا بأن بعد العسر يسرًا، وأن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر.

    في مدنٍ أنهكتها الأزمات، أصبح انقطاع الكهرباء مشهدًا يوميًا لا يثير الدهشة بقدر ما يثير الألم. ساعات طويلة تمر تحت لهيب الصيف، والحرارة تطرق الأبواب والنوافذ والصدور، بينما المراوح ساكنة، وأجهزة التبريد مجرد ديكور ينتظر عودة التيار. ينام الأطفال على عرقهم، ويقضي كبار السن لياليهم في معاناة لا يراها إلا الله، ومع ذلك يستيقظ الجميع في الصباح ليواصلوا حياتهم وكأن شيئًا لم يكن.

    أما الماء، فقد صار الحصول عليه في كثير من الأحيان رحلةً شاقة، ينتظر الناس وصوله كما ينتظر الظمآن قطرة غيث في صحراء قاحلة. وإذا حضر الماء غاب التيار، وإذا عاد التيار شح الماء، وكأن المواطن يعيش سباقًا يوميًا مع أبسط مقومات الحياة.

    ثم يأتي الراتب... ذلك الزائر المتأخر الذي يصل مثقلًا بالانتظار، لكنه لا يكاد يمكث طويلًا حتى تلتهمه الأسعار الملتهبة. راتبٌ كان يومًا يكفي الأسرة شهرًا، فأصبح اليوم يعجز عن سد الضروريات، في ظل موجات غلاء متلاحقة لا ترحم محدودي الدخل، بينما تتسع الفجوة بين الدخل ومتطلبات الحياة اتساعًا يرهق النفوس قبل الجيوب.

    والبطالة قصة أخرى من قصص المعاناة؛ آلاف الشباب يحملون الشهادات والأحلام، لكنهم يصطدمون بواقعٍ ضيق الفرص. تتأجل مشاريع الزواج، وتتبدد الطموحات، ويضطر كثيرون إلى أعمال شاقة لا تتناسب مع مؤهلاتهم، لا لأنهم يكرهون العمل، بل لأن الكرامة تأبى عليهم مد اليد، فيختارون التعب على السؤال.

    ومع كل ذلك، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف والأقوى في آنٍ واحد؛ الأضعف لأنه يتحمل تبعات أزمات لم يكن سببًا فيها، والأقوى لأنه لم يسمح لها أن تكسر إرادته. يبتسم لأبنائه رغم القلق، ويواسي جيرانه رغم حاجته، ويحمد الله في السراء والضراء، مؤمنًا بأن الفرج من عنده سبحانه.

    لقد علَّمتنا الحياة أن الإنسان قد يخسر المال، لكنه لا ينبغي أن يخسر الأمل. وأن الشدائد مهما عظمت، فإنها لا تدوم، وأن الأمم التي تصبر وتعمل وتتمسك بالقيم قادرة على تجاوز المحن، مهما اشتدت الخطوب.

    ولعل أكثر ما يدعو للإعجاب هو روح التكافل التي ما زالت حية بين الناس؛ جارٌ يساند جاره، وقريبٌ يعين قريبه، وصديقٌ يواسي صديقه، فتخف وطأة المعاناة حين تتقاسمها القلوب المؤمنة. إنها قيم أصيلة أثبتت أن المجتمعات لا تحيا بالخدمات وحدها، بل تحيا أيضًا بالأخلاق والتراحم.

    ومع ذلك، فإن صبر الناس لا ينبغي أن يُفهم على أنه رضا باستمرار المعاناة أو قبولٌ بتعثر الأوضاع. فالصبر فضيلة، لكنه لا يُلغي حق الإنسان في حياة كريمة، تتوافر فيها الخدمات الأساسية، ويحصل فيها الموظف على راتبه في موعده، ويجد الشاب فرصةً يعمل بها، وتنعم الأسر بالأمن والاستقرار.

    هكذا علَّمتنا الحياة أن نكون أقوى من الظروف، وأكبر من الأزمات، وأصدق في التوكل على الله، ولكنها علمتنا أيضًا أن الأوطان لا تزدهر إلا حين تُصان كرامة الإنسان، ويصبح العدل أساس الإدارة، والإخلاص منهج العمل، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.

    وسيظل المواطن الصابر يكتب كل يوم درسًا جديدًا في الصمود، حتى يأتي اليوم الذي تتحول فيه المعاناة إلى ذكرى، ويعود للوطن ألقه، وللإنسان حقه، وللحياة بهجتها التي يستحقها كل من صبر وثبت وأحسن الظن بالله.

المزيد من مقالات (د. فضل العزب)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال