أخر تحديث للموقع
الأربعاء, 05 أغسطس 2026 - 12:03 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • عندما يصبح المنصب أكبر من صاحبه

    علي محمد سيقلي




    ليست المشكلة في المناصب، بل فيمن يشغلها. فالمناصب لا تصنع القادة، كما أن الكراسي لا تمنح أصحابها الحكمة، ولا الأختام تمنحهم القدرة على الإدارة. ولهذا يبقى السؤال الجوهري: كيف يجمع المسؤول بين القيادة والإدارة؟ وهل يكفي أن يمتلك السلطة حتى يصبح جديرًا بها؟

    القيادة هي القدرة على صناعة الرؤية، وإلهام الآخرين، وامتلاك الشجاعة لاتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. أما الإدارة فهي فن تحويل تلك الرؤية إلى واقع، من خلال التخطيط والتنظيم والمتابعة وحسن استثمار الموارد. القائد يرسم الطريق، والمدير يحسن السير فيه، وعندما تجتمع الصفتان في شخص واحد تنهض المؤسسات، وتزدهر الأوطان، ويشعر الناس بأن من يقودهم يعرف إلى أين يمضي.

    لكن المأساة تبدأ عندما يصل إلى موقع المسؤولية من لا يملك رؤية قائد، ولا أدوات مدير. فلا رؤية تستشرف المستقبل، ولا إدارة تحسن التعامل مع الحاضر، ولا قرار يولد من المعرفة والخبرة. عندها يتحول المنصب إلى عبء على صاحبه، وتصبح المؤسسة رهينة الارتباك، ويغدو الوطن هو أول من يدفع ثمن ذلك العجز.

    في عالم الشركات، لا يجرؤ مجلس إدارة على تسليم مصير مؤسسة بملايين الدولارات إلى شخص لا يفرق بين القيادة والإدارة، لأنهم يدركون أن النتيجة ستكون خسائر متراكمة وانهيارًا في الأداء. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدولة، وبمصير ملايين البشر؟ وكيف إذا حملت الصدفة، أو المصالح، أو الولاءات الضيقة، شخصًا إلى موقع لم يمتلك يومًا أدواته ولا استحق شروطه؟

    إن الدول لا تُدار بردود الأفعال، ولا بالخطابات الرنانة، ولا بالشعارات التي تملأ الآذان وتخلو من الأفعال. إنها تُدار بالعقول التي ترى أبعد من اللحظة، وبالقيادات التي تعرف أن القرار الخاطئ لا يدفع ثمنه صاحبه وحده، بل أمة بأكملها.

    ولعل أخطر ما يصيب المؤسسات والدول هو أن تُستبدل الكفاءة بالولاء، والخبرة بالمجاملة، والاستحقاق بالمحسوبية. عندها يتراجع أصحاب الكفاءة إلى الصفوف الخلفية، بينما يتصدر المشهد من لا يملك سوى الحظ أو الصدفة أو شبكة من المصالح. وحين تُقصى الكفاءات، لا يبقى في الميدان إلا من يتقن تبرير الفشل أكثر مما يتقن صناعة النجاح.

    وليست كل يدٍ تمسك بالمقود تعرف إلى أين تتجه، وليست كل من جلس على كرسي المسؤولية قادرًا على حمل أمانتها. فالمنصب لا يكبر بصاحبه، بل صاحبه هو من يكبر به علمًا، وحكمةً، وعدلًا. فإذا ضاق عقل المسؤول عن استيعاب مسؤولياته، اتسع نطاق الأخطاء، وضاقت آمال الناس، وتحول المنصب من وسيلة لخدمة الوطن إلى عبء يثقله ويؤخر مسيرته.

    إن القيادة ليست لقبًا يُعلَّق على الأبواب، ولا الإدارة قرارًا يُوقَّع على الأوراق؛ بل هما رسالة، وكفاءة، ومسؤولية تُقاس بحجم الإنجاز، لا بعدد التصريحات، وبقدرة صاحبها على صناعة الحلول قبل وقوع الأزمات، لا على تبريرها بعد وقوعها.

    ويبقى التاريخ شاهدًا لا يجامل أحدًا؛ فهو لا يذكر من اعتلى المناصب، وإنما يخلّد من استحقها. أما الذين حملوا ألقابًا أكبر من قدراتهم، فقد مرّوا في صفحاته كالعابرين، تاركين خلفهم ضجيجًا كثيرًا... وإنجازًا قليلًا.

    فالمناصب لا ترفع أصحابها، بل تكشف أحجامهم الحقيقية؛ فإما أن يكبروا بها، وإما أن تكبر هي عليهم. وعندما يصبح المنصب أكبر من صاحبه، لا يسقط المسؤول وحده، بل قد يتعثر معه وطن بأكمله، فتأملوا..

المزيد من مقالات (علي محمد سيقلي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال