الثلاثاء, 04 أغسطس 2026
92
إلى متى سنظل، وأقصد بصيغة الجمع كل من يشغلهم حال البلاد، المعلقة بين أتون الحرب والمواجهات والتمزق، بعد رحلة ضياع قاربت عقدين ونيفًا من الزمان؟ بلاد تدور داخل حلقات مفرغة، لا يملؤها إلا أتون حروب، محتواها واحد، ومسمياتها تختلف حسب أهواء من يشعلونها.
فترة اتسمت بفقدان البوصلة، وضياع الهدف، وتعدد مراكز القوى، إن جاز لنا استخدام هذا اللفظ حمّال الأوجه. فما ساد المرحلة التي نشير إليها وتسيدها ليس أكثر من عناوين تجري على عواهنها، يصممها ويضع رتوشها وقوائمها من كان ولا يزال صانعًا للأزمات ومنتجًا لمكوناتها على الأرض، سواء في بلادنا أو بالمنطقة أو في الجوار الأوسع.
لذا ما تزال بلادنا تتدحرج بين أزمة وأخرى، فاقدةً بوصلتها الوطنية التي باتت رهينة لدى قوى وُلدت على أرضنا شمالًا وجنوبًا، تتصارع فيما بينها، بينما تخدم نتائج صراعاتها أهداف من كوَّنها، وأرساها على الأرض، واستمر معطاءً في تمويلها وتغييرها وتبديل وجوهها. نعم، تتبدل الوجوه والمسميات، وتضيع عمدًا المشتركات وعناصر المشروع الوطني المستقل، القائم أساسًا على مبادئ:
أولًا: مفاهيم الدولة الوطنية التي ناضل في سبيلها كل الوطنيين شمالًا وجنوبًا.
ثانيًا: نهج متوافق عليه لاستعادة ما تبقى من مفهوم الدولة التي جرى هدمها مع هيجان مشروع الربيع العربي المدمر.
ثالثًا: افتقاد متعمد لرؤية وطنية يتوافق عليها طيف واسع، بديلًا عما شاهدناه من شرذمة وتشرذم متعمد.
رابعًا: افتقدنا، عمدًا، مشروعًا لرؤية موحدة تؤسس لضرورة إنجاز رؤية وطنية توافقية ما نزال نفتقدها، إذ انتابت مشروع الشرعية عناصر تآكله من داخله، ولا يزال، كما تبين مع معطيات التغيير الوزاري الأخير. والأمر هنا يطرح مبدأ وضرورة التوافق على عقد مؤتمر حوار وطني عاجل، يستكمل ما أنجزه مؤتمر الحوار الوطني الأساس، ويعالج ما اعتوره من نواقص لاحقة بشأن القضية الجنوبية.
خامسًا: جرى خلال الفترة تكريس مفهوم تعدد مراكز القوى، والقوى المتواجهة والمتصارعة سياسيًا وعسكريًا، وهو ما تمثل في انهيار مفهوم الجيش الوطني، المؤسسة التي تم تدميرها عمدًا، سواء بتعمد تأسيسها على قاعدة غير وطنية، أو بإخضاعها لتباينات ما بات يُعرف بالقوى المتواجدة على الأرض، والتي تم بناؤها هروبًا من مبدأ المؤسسة الوطنية، بعيدًا عن أي مسميات. ولعل ما جرى في حضرموت خير شاهد.
وفي السياسة، تظل التحالفات وفق مبادئ وطنية متوافق عليها أمرًا لا بد منه إقليميًا ودوليًا، لكن الأمر الذي ولجناه اتسم بنوع من التبعية والاعتماد على قوة الطرف الآخر، المفترض أن يكون سندًا مساعدًا، خلافًا لما نرى.
ونظرًا لأن الخارطة السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية في بلادنا تدفع الهم الوطني للبحث عن حلول تخرج البلد من حالة التشرذم والضياع إلى مرحلة استعادة الدولة وسيادتها وقرارها الوطني، بعيدًا عن أي تجاذبات، مع أهمية وضرورة التنسيق والتكامل من موقع الشراكة الفاعلة والمؤثرة مع الأشقاء، وتلك لها شروطها، وقد حان الوقت لتوفرها، مع عدم إهدار ما يجب من تقدير لمن كان سندًا مساعدًا وأدى ما عليه.
لكن استمرار بقاء الحال على ما هو عليه لم يعد مطلوبًا، بل بات الأمر مدعاة لإعادة استنهاض قوى البلاد، التي ينبغي لها أن تدرك بأن الرهانات على أي طرف أو أطراف بعينها تملك ناصية الحل ليست هي الصواب. فالصواب كله لدى مكونات مشروع وطني يلمّ الشمل، ويمنع مزيدًا من التمزيق، ويوفر مقومات حقيقية فاعلة على الأرض لاستعادة الدولة، وهزيمة من صادرها أو يخطط لمصادرتها مستقبلًا لصالح مشاريع لا وطنية.
بات حالنا كحال المريض المزمن، المحتاج إلى طبيب حكيم قدير، ضمن هيكلية تنهض بأعباء مرحلة استعادة الدولة، بعيدًا عن الشخصنة، وبعيدًا عن التلويح بمشاريع ورؤى تعيد إنتاج جوهر الأزمة التي شكلتها الشخصنة.
والأهم التوافق على:
مكونات الرؤية الوطنية لطبيعة أزمة البلاد ومكوناتها التاريخية.
التوافق على سبل المعالجات دونما إقصاء أو استبعاد.
هيكلية وطنية موحدة لجيش وأمن وطني.
صيانة الأمن الوطني خارج أوعية الشتات، ورفض تعمد التمزيق الوطني من خلال ممارسات أدنى من ذلك.
إطلاق رؤية اقتصادية وطنية تعيد ترسيم مقومات الاقتصاد الوطني، بهيكلية موحدة وبنك مركزي واحد.
واختتم بالقول: كفى البلد تدميرًا، وكفاه ضياعًا يستفيد منه من يستشعر ما يعنيه وجود دولة وطنية يمنية متماسكة على كامل جغرافيتها، تربطها أفضل العلاقات مع الجوار الجغرافي وباقي العالم، ضمن رؤية تكاملية تنسيقية يبادر إلى إنجازها من يهمه أمر هذا البلد، مبتعدًا كثيرًا عن شخصنة الأمور والمسميات.
لنبحث جميعًا عن بديل وطني كلي يلم الشمل، ويقيم الأزمة، لا يصفي الحسابات، ويضع برامج تستند إلى مقومات قابلة للتحقق، لا تحلق في سماء المجاملات. لأن مستقبل الأجيال بات يتطلب رؤى تغادر سموات الشعارات، وأفعالًا أنتجت الأزمة.
ونعتقد بأن رؤية كهذه لا ينجزها سوى تبني الدعوة الحقيقية إلى مؤتمر وطني حقيقي يُعقد داخل البلاد، لا يصطفي ولا يجامل، وضمن آليات عمل بيّنة وواضحة، قابلة للتحقق وفق مراحل، يجري خلالها تخليق معطيات عملها على الأرض، من خلال تواجد من يطرحون برامج الإنقاذ الوطني على الأرض، بعيدًا عن التحليق في الفضاء الخارجي، سواء عبر الفضائيات أو في عواصم غير عاصمة الوطن ومدنه، التي تنتظر من يحررها تحركًا من الأرض، وليس عبر البريد الطائر.