تتساقط حبات الضوء من مشكاة الذاكرة حين يترجل سدنة الحقيقة البصرية، أولئك الذين نذروا العمر ليرقبوا الحياة من ثقب إبرة، ويسكبوا نبضها في أرشيف الوطن.
برحيل المصور الرياضي القدير علي شاهر علي حسن، لا تنطفئ مجرد عدسة عابرة، بل يتداعى ركن وثيق من أركان التوثيق الرياضي والصحفي، وتنكسِر مرآة طالما عكست عرق المكافحين، ودهشة الأهداف، وزئير المدرجات، وحرارة التتويج في ملاعب كانت له بيتًا وميدانًا ووطنًا صغيرًا.
لقد كان الراحل يقتنص اللحظة الهاربة ليصنع منها خلودًا للآخرين، بينما كان هو يمضي رويدًا رويدًا نحو زوايا الصمت، تاركًا خلفه رصيدًا حيًّا ينبض بالعطاء، وأثرًا لا يمحوه الغياب.
لم يكن علي شاهر مجرد يد تضغط على غالق الكاميرا ببرود آلي، بل كان قلبًا يخفق مع كل هجمة، وروحًا تلتقط المشاعر قبل الشخوص.
ذلك المشاكس النبيل، صاحب الابتسامة العذبة التي كانت تذيب وعثاء السفر وضغوط التغطيات الطويلة، عرفته ميادين الرياضة وصالات التنافس نقيًّا لا يعرف الضغينة، صريحًا في انتمائه للمهنة وللإنسان، يحمل طهر الأطفال في تعامله، ونخوة الفرسان في مواقفه.
كان يزرع الفرح في وجوه زملائه بروح دعابته الحاضرة وخلقه الرفيع، مكرسًا نفسه كواحد من رواد التوثيق الذين صاغوا بمداد النور ذاكرة الكرة والرياضة في اليمن عبر أجيال متتابعة.
إن أشد ما يدمي القلب في هذه الفاجعة ليس حتمية الرحيل، بل تلك التراجيديا الصامتة التي تسبق الموت في مجتمعاتنا: وجع المكابدة في ظل العزلة وقسوة الإهمال.
لقد خاض الفقيد نزاله الأخير مع المرض في صنعاء، متدرعًا بالصبر والكبرياء، يطلق صيحات الاستغاثة التي لم تجد آذانًا مصغية، سوى وعود تتبخر ورجع صدى موحش في واقع تتوه فيه بوصلة الدعم والتقدير.
إنها المأساة التي تطحن المبدع حيًّا، ثم تلبسه ثوب التمجيد ميتًا؛ حيث تبخل حبة الدواء، وتُمنع يد العون، فإذا ما فاضت الروح، سالت أنهار المراثي المتأخرة لتوقظ فينا أسئلة الضمير المؤرقة: ما قيمة النعي حين تسكن الأنفاس؟ وكيف يتحول المنسي في مرضه إلى أيقونة بعد فوات الأوان؟
تغيب الأجساد وتُطوى السجلات، غير أن الضوء الذي سكبه علي شاهر في قلوب محبيه وتاريخ مهنته سيظل عصيًّا على الاندثار، شاهدًا على نبل المسيرة وطهارة الكف.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وغفرانه، وأن يجعل ما لاقاه من ألم ومرض رفعةً في درجاته وكفارةً لذنوبه، وأن يجبر خواطر أسرته الكريمة، وفي طليعتهم شقيقه الكابتن نعمان شاهر، وكافة رفاق دربه في الوسطين الرياضي والإعلامي.
طبت حيًّا وميتًا يا أبا شاهر، وسلام على روحك الطيبة التي ستبقى ذكراها العطرة وميضًا لا يغيب.
رحم الله الأستاذ والمصور الرياضي علي شاهر، وأسكنه فسيح جناته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.