أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:24 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين تنتهي الحرب في الجبهة من سيُخرجها من البيت؟

    إلهام محمد زارعي




    ​سيأتي يوم تصمت فيه البنادق في اليمن، لكن السؤال الأصعب: هل ستصمت الحرب داخلنا؟
    فالحرب لا تسكن الجبهة وحدها؛ أحيانًا تعود إلى البيت بلا بندقية، وتسكن اللغة: اسكت، لا تناقش، نحن وهم، أنا والغريب، انتقم، الرجل لا يعتذر، الاختلاف عداوة، والقوة أن تُخيف الآخر. وهكذا قد تنتهي الحرب عسكريًا، بينما نستمر في تربيتها اجتماعيًا. 

    نحن نتحدث كثيرًا عن إعادة إعمار اليمن، لكن الجدار المهدوم يمكن بناؤه، والطريق يمكن تعبيده، أما الإنسان الذي تعلّم أن يرى المختلف عدوًا، والاعتذار ضعفًا، والرحمة سذاجة، فإعادة إعماره أصعب بكثير. لذلك أظن أن لليمن جبهة لم تُرسم على أية خريطة، ألا وهي"الأسرة". فالطفل يتعرف إلى شكل الوطن أول مرة داخل البيت: الأب أول صورة للسلطة،والأم أول وطن، والإخوة أول مجتمع، وتقاسم الطعام أول درس في العدالة، والوفاء بالوعد أول درس في القانون، واحترام الاختلاف أول درس في المواطنة، والاعتذار أول مصالحة يشهدها. حين يرى الطفل أباه وأمه يختلفان دون إهانة، يتعلم الحوار قبل أن يسمع بكلمة«ديمقراطية». وحين يستطيع أن يقول:«لا أوافق» ويبقى محبوبًا ومحترمًا، يتعلم أن الاختلاف لا يصنع عدوًا. وحين يسمع الكبير يقول للصغير:«أخطأت، سامحني»، يفهم أن القوة ليست في ألّا نخطئ، بل في ألّا نكابر. 

    لهذا ربما يحتاج كل بيت يمني إلى مشروع سلام صغير: مائدة يجلس حولها أفراد الأسرة، يتحدث الصغير كما الكبير، نتعلم فيها كيف نختلف دون أن نجرح، ونغضب دون أن نظلم، وننتقد الفكرة دون أن نهدم صاحبها، وننتصر للحقيقة دون أن نهزم إنسانًا.

    فتخيّلوا لو تعلم طفل واحد في كل أسرة يمنية أن خصمه ليس عدوًا، وأن الرجولة ليست غضبًا، وأن الكرامة لا تحتاج إلى إذلال الآخرين؛ كم بندقية مستقبلية نكون قد أنزلناها عن كتفٍ لم يحملها بعد؟ السلام الذي تصنعه المؤتمرات قد يوقف حرب اليوم، أما السلام الذي تصنعه الأسرة فقد يمنع حرب الغد.

    ولهذا فإن إعادة إعمار اليمن لا تبدأ فقط بالإسمنت والطرقات والكهرباء؛ بل بإعادة إعمار الإنسان الذي سيستخدم كل ذلك. وقد تكون أعظم اتفاقية سلام في تاريخ اليمن اتفاقيةً لن تصورها كاميرا ولن توقّعها القادة، إنما تسردها الاسرة عبر أبٌ يسمع ابنه، وأمٌّ تعلّم أبناءها الرحمة، وكبيرٌ يعتذر لصغير، وطفلٌ يكتشف للمرة الأولى أن بإمكان الإنسان أن يكون قويًا دون أن يحتاج إلى عدو، وحينها سيتعلم الطفل اليمني للمرة الأولى أن بإمكانه أن ينتصر دون أن يهزم أحدًا. 
    ودمتم سالمين.. 

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال