من يتصور أن القضية الجنوبية قد تراجعت أو أن أهداف شعب الجنوب قد فقدت زخمها بسبب تراجع المجلس الانتقالي أو تعثر أدائه، فهو مخطئ في قراءة المشهد، لأنه يخلط بين القضية وأدواتها. القضية الجنوبية لم تكن يومًا ملكًا لتنظيم أو حزب أو مجلس، وإنما هي قضية شعب، وقضية وطن، وقضية هوية وحقوق وتطلعات تراكمت عبر عقود، حتى أصبحت اليوم أوسع من أي إطار سياسي منفرد.
بل إن الواقع يؤكد أن القضية الجنوبية قد ازدادت حضورًا واتساعًا، واكتسبت ملامح جماهيرية وسياسية أكثر وضوحًا. لقد أصبحت بالنسبة إلى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب الرئة التي يتنفسون بها، والأمل الذي يرون من خلاله مستقبلًا مختلفًا عن ذلك الذي فرضته عليهم تجارب الحروب والإقصاء والهيمنة. ولذلك فإن تراجع أي أداة سياسية لا يعني تراجع القضية، كما أن أخطاء أي قيادة لا يمكن أن تكون شهادة وفاة لمشروع وطني ارتبط بوجدان شعب كامل.
والحقيقة التي ينبغي أن نتعامل معها بشجاعة ووضوح هي أن مرحلة سياسية كاملة قد انتهت، وأن علينا نحن أبناء الجنوب أن نقرأ هذه الحقيقة كما هي، لا كما نريد لها أن تكون.
الحزب الاشتراكي اليمني مات سياسيًا، والمؤتمر الشعبي العام مات سياسيًا، والوحدة اليمنية بصيغتها التي عرفناها ماتت سياسيًا وتاريخيًا، وقد استلمنا شهادات وفاتها جميعًا.
هذه ليست دعوة إلى التشفي بالماضي، ولا رغبة في الانتقام من أحزاب أو أشخاص، وإنما هي قراءة لواقع سياسي لم يعد بالإمكان تجاهله. فالحزب الاشتراكي الذي كان أحد أبرز أطراف صناعة المرحلة السياسية التي قادت إلى الوحدة ثم إلى الصراع والحرب، لم يعد يمتلك الحضور والتأثير اللذين كان يتمتع بهما في السابق. والمؤتمر الشعبي العام، الذي كان عنواناً رئيسياً للسلطة السياسية في الشمال لعقود، فقد هو الآخر بنيته وتأثيره بعد التحولات الكبرى التي عصفت بالبلاد، وانتهى كقوة سياسية موحدة قادرة على إعادة إنتاج الماضي.
أما الوحدة اليمنية، فقد كانت مشروعاً سياسياً دخل التاريخ، ثم كشفت الحروب والأحداث منذ عام 1994 وما تلاها عن عجز صيغتها القائمة على الإكراه والغلبة عن تحقيق الشراكة والعدالة. وجاءت السنوات التالية لتؤكد أن الوحدة بصورتها السابقة لم تعد واقعاً سياسياً قابلاً للحياة. ولهذا فإن الحديث عن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وكأن شيئاً لم يحدث، ليس سوى محاولة للهروب من حقائق التاريخ.
لقد استلمنا شهادة وفاة تلك المرحلة، وليس المطلوب اليوم أن نبقى واقفين عند قبرها، وإنما أن نفكر في المستقبل.
وهنا تبدأ مسؤولية الجنوبيين الحقيقية.
إن الجنوب أمام فرصة لإعادة بناء مشروعه السياسي على قاعدة جديدة، لا تقوم على استنساخ الماضي ولا على إعادة إنتاج أخطائه، وإنما على الاعتراف بأن الجنوب مجتمع متنوع، وأن أي دولة مستقبلية لا يمكن أن تنجح إلا إذا شعر كل جنوبي بأنه شريك كامل فيها.
ومن أهم الدروس التي ينبغي ألا تتكرر أخطاء تجربة المجلس الانتقالي في التعامل مع المحافظات الشرقية، حين جرى الاعتماد على رموز محدودة من أبناء تلك المحافظات، وهو ما أحدث خدشاً في جدار التلاحم الوطني الجنوبي وأوجد مساحة من التحفظ والقلق لدى قطاعات من أبناء حضرموت والمهرة وشبوة. وهذا درس يجب أن يؤخذ بمنتهى الجدية، لأن الجنوب القادم لا يمكن أن يبنى بمنطق الاستحواذ أو اختزال المحافظات في أشخاص، وإنما بمنطق الشراكة والتمثيل العادل والاحترام الكامل لخصوصية كل محافظة ومنطقة.
الدولة الجنوبية التي نتطلع إليها يجب أن تكون دولة لكل الجنوبيين، من المهرة إلى باب المندب، دولة اتحادية حديثة، تقوم على المواطنة المتساوية، وتضمن توزيع السلطة والثروة بعدالة، وتحمي خصوصيات المحافظات، وتمنع عودة المركزية التي كانت أحد أسباب أزمات الماضي.
ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد رفع شعار فك الارتباط، وإنما بناء مشروع سياسي قادر على ترجمة هذا الهدف إلى واقع، عبر رؤية واضحة، وتحالفات جنوبية واسعة، ومؤسسات سياسية واجتماعية قادرة على تمثيل الناس، وخطاب يحترم الداخل والخارج، ويقدم قضية الجنوب باعتبارها قضية سياسية عادلة تبحث عن حل تاريخي مستدام.
إننا أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن نرتقي بالقضية إلى مستوى مشروع الدولة، أو نبقى أسرى للخلافات حول الأشخاص والتنظيمات. والمرحلة الجديدة تحتاج إلى عقل سياسي جديد يدرك أن القضية أكبر من المجلس الانتقالي، وأكبر من أي حزب أو مكون، وأن الجنوب لن يستعيد مكانته إلا إذا استطاع أبناؤه أن يجمعوا كلمتهم حول هدف واضح.
نحن لا نبحث عن حرب جديدة، ولا نريد للجنوب أن يتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. من أراد السلام فأهلاً وسهلاً به، ومن أراد الحوار والتفاهم السياسي فأبواب الجنوب يجب أن تبقى مفتوحة. أما السلام فلا يعني التنازل عن الحقوق، والحوار لا يعني التخلي عن الهدف، والانفتاح لا يعني الارتهان.
وفي الوقت نفسه، فإن من حق شعب الجنوب أن يتمسك بخياراته، وأن يطالب بتقرير مصيره، وأن يحدد شكل دولته ومستقبله السياسي بحرية. هذه ليست منحة من أحد، ولا قضية قابلة للمساومة في غرف مغلقة.
لقد انتهت مرحلة الأحزاب التي احتكرت المشهد، وانتهت مرحلة الوحدة التي تحولت من مشروع شراكة إلى واقع من الصراع والحروب، وانتهت مرحلة انتظار حلول تأتي من الخارج. واليوم تبدأ مسؤولية الجنوب في صناعة مستقبله بنفسه.
قد تتغير القيادات، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتراجع قوى وتظهر قوى أخرى، لكن القضية التي تحملها الجماهير لا تموت بتغير الأدوات. وما نراه اليوم ليس نهاية القضية الجنوبية، وإنما انتقالها إلى مرحلة تحتاج إلى أدوات أكثر نضجًا، وتمثيل أكثر اتساعًا، ومشروع أكثر وضوحًا.
إننا بالفعل أمام لحظة «نكون أو لا نكون». وكل المطبات التي اعترضت طريق الجنوب يجب ألا تتحول إلى أسباب للانكسار، بل إلى دروس تعزز القدرة على الوصول. فالجنوب يملك من مقومات القوة ما يجعله رقمًا مهمًّا في مستقبل المنطقة، شرط أن يتجاوز أبناؤه خلافاتهم، وأن يدركوا أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن القضية أكبر من التنظيمات، وأن الدولة القادمة يجب أن تكون ملكاً لجميع أبنائها.
لقد استلمنا شهادات وفاة مرحلة كاملة؛ شهادة وفاة الحزب الاشتراكي، وشهادة وفاة المؤتمر، وشهادة وفاة الوحدة بصيغتها القديمة. وما علينا الآن ليس إعادة إحياء الموتى، وإنما بناء المستقبل.
المستقبل الذي نريده هو جنوب آمن، مستقر، حر، مستقل، اتحادي، تسوده الشراكة والعدالة والقانون، ويشعر فيه كل جنوبي أن وطنه يحميه ويحفظ كرامته ويمنحه حقه الكامل في صناعة القرار.
عودة الجنوب إلى أهله ليست قضية تراجع أو تخاذل أو تقاعس، وإنما مشروع تاريخي يحتاج إلى وحدة الصف، ووضوح الرؤية، وحسن إدارة المرحلة. ومن أراد السلم فأهلًا به، ومن أراد المساهمة في صناعة المستقبل فأهلاً به أيضاً، أما الهدف فباقٍ: أن يكون للجنوب وطن يليق بشعبه وتضحياته وتاريخه.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن