​من يقرأ المشهد اليمني اليوم بعين متأنية، بعيدًا عن الانفعال وضجيج المواقف اليومية، سيجد أن الظروف السياسية والإقليمية والدولية تتحرك تدريجيًا باتجاه إعادة تعريف القضية الجنوبية، حتى وإن بدت الصورة في ظاهرها ضبابية، وحتى وإن جاءت بعض التطورات في اتجاهات لا تخدم الجنوب بصورة مباشرة.

فالضبابية الحالية لا تعني بالضرورة أن الجنوب خسر، بل قد تكون نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية تتصارع فيها مشاريع متعددة على شكل اليمن ومستقبله. واليمن اليوم لم يعد أمام معادلة بسيطة عنوانها سلطة في صنعاء وسلطة في عدن، وإنما أمام واقع سياسي وعسكري وجغرافي شديد التعقيد، تتداخل فيه مصالح السعودية ودول الخليج والمجتمع الدولي، إلى جانب الحوثيين والقوى اليمنية المختلفة، فيما أصبحت قضية الجنوب جزءاً لا يمكن تجاوزه عند البحث عن أي تسوية نهائية.

والأهم أن التطورات الأخيرة أكدت أن إعادة فرض صيغة سياسية قديمة على الجنوب ليست مهمة سهلة. فحتى بعد التحولات الكبيرة التي شهدها الجنوب خلال عام 2026، ظل العامل الجنوبي حاضراً في التحليل السياسي وفي حسابات الأطراف المختلفة. 

وتؤكد دراسات ومراكز بحثية دولية أن مستقبل جنوب اليمن أصبح قضية أساسية في أي نقاش جاد حول مستقبل اليمن، وأن المشهد السياسي في الجنوب لم يتغير بمجرد تغير الأطر والمؤسسات الرسمية.

وفي المقابل، فإن تصاعد التوتر بين الحوثيين والسعودية، ووصول اليمن إلى أخطر مستوى من احتمالات تجدد الحرب الواسعة منذ هدنة 2022، يجعل من الصعب تصور أن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل سنوات. الأمم المتحدة نفسها حذرت من أن اليمن يواجه خطراً متزايداً للانزلاق إلى صراع واسع، مع تصاعد النشاط العسكري والتهديدات في مناطق متعددة.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الجنوب. فإذا اندلعت مواجهة جديدة، فلن يكون الجنوب مجرد مساحة جغرافية في حرب بين صنعاء والرياض، بل سيكون طرفاً لا يمكن تجاهله بسبب موقعه الاستراتيجي، وسواحله وموانئه وباب المندب وحضرموت وشبوة وعدن. وإذا اتجهت الأطراف إلى التسوية، فلن يكون منطقياً أن تُبنى تسوية مستقرة على تجاهل قضية الجنوب أو التعامل معها باعتبارها ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

الجنوب لا يحتاج اليوم إلى استعجال النتائج، بقدر ما يحتاج إلى قراءة دقيقة للتحولات. فالمعادلات الإقليمية تتغير، والتحالفات تتبدل، وأولويات الدول تتغير تبعاً لمصالحها الأمنية والاقتصادية، وما كان ممكناً فرضه بالأمس قد لا يكون ممكناً فرضه غداً. حتى العلاقة بين القوى الإقليمية الفاعلة في الملف اليمني شهدت خلال الفترة الماضية توترات وتحولات كبيرة انعكست مباشرة على الجنوب.

ولهذا فإن من الخطأ قراءة المشهد من خلال موقف واحد أو تصريح واحد أو اجتماع واحد. السياسة لا تُقاس بما يقال في العلن فقط، وإنما بما تتغير عليه موازين القوى وما تحتاجه الأطراف عندما تصل إلى لحظة التسوية. وقد أثبتت السنوات الماضية أن كل محاولة لتجاوز القضية الجنوبية تعود في النهاية لتصطدم بحقيقة سياسية واجتماعية لا يمكن إلغاؤها بالقرارات أو البيانات.

قد يبدو الطريق أمام الجنوب طويلاً، وقد تكون بعض المواقف الإقليمية والدولية غير واضحة، وقد تظهر أحياناً مؤشرات تدعو إلى التشاؤم، لكن ذلك كله لا يعني أن المسار النهائي قد حُسم. بالعكس، في المراحل التي تسبق التسويات الكبرى تكون الأوراق عادة مبعثرة، والمواقف متحركة، والرسائل متناقضة، وكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الوصول إلى الطاولة النهائية.

والجنوب يمتلك أهم ورقة في هذه المرحلة: وضوح مطالبه السياسية واستمرار الحضور الشعبي للقضية. المطلوب ليس الدخول في كل معركة، ولا الانجرار خلف كل استفزاز، ولا تحويل الخلافات الجنوبية إلى صراعات داخلية تستنزف القوة، وإنما الحفاظ على الهدف، وترتيب البيت الجنوبي، وتقديم خطاب سياسي عقلاني قادر على مخاطبة الإقليم والعالم بلغة المصالح والاستقرار وحق الشعب في تقرير مستقبله.

إن الظروف لا تعمل دائمًا لصالح الجنوب بصورة مباشرة أو معلنة، لكنها تعمل على تفكيك الصيغة القديمة التي قامت عليها الأزمة اليمنية. وكلما اتضح للعالم أن استمرار الحرب لن يعيد اليمن إلى ما قبل 1990، وأن استقرار المنطقة يحتاج إلى ترتيبات سياسية جديدة، ارتفعت قيمة الورقة الجنوبية في أي مفاوضات قادمة.

ولهذا فإن الضبابية التي نراها اليوم ليست بالضرورة نهاية الطريق، بل ربما هي المرحلة التي تسبق وضوح الصورة. المهم ألا يخلط الجنوب بين هدوء السطح وحركة الأعماق، وألا يعتقد أن غياب الإعلان السياسي يعني غياب التحولات. فالكثير من القضايا الكبرى تبدأ كأفكار مرفوضة، ثم تتحول إلى ملفات مطروحة، ثم تصبح جزءاً من التفاوض، ثم تتحول في النهاية إلى واقع سياسي.

المطلوب من الجنوب في هذه اللحظة هو الصبر الاستراتيجي، والوعي السياسي، ووحدة الصف، وعدم التفريط في جوهر القضية. فالمعادلة لم تُغلق بعد، واليمن مقبل على مرحلة جديدة، والجنوب سيكون رقماً أساسياً فيها مهما حاول البعض تجاهله.

قد لا تكون الصورة واضحة اليوم، لكن المؤشرات تقول إن اليمن القديم يتآكل، وإن التسوية المقبلة لن تستطيع ببساطة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وعندما تصل الأطراف إلى لحظة الحقيقة، سيكتشف الجميع أن القضية الجنوبية ليست عقبة أمام السلام، بل جزء من الحل الذي لا يمكن أن يستقر اليمن والمنطقة بدونها.