الأربعاء, 26 أغسطس 2026
42
حين اختاروا عدن عاصمة لم يختاروا بحرها ولا جوها. اختاروا صبرها. اختاروا أن تتحمل وحدها ما عجزت عنه كل المدن: أن تكون مقرا للدولة، ومستشفى للجرحى، وملجأ للنازحين، وبوابة للعالم، وبنكا للإيرادات. اختاروا أن تسكن الفوضى في أزقتها حتى تستقر المؤسسات في قاعاتها.
واليوم نسأل بكل هدوء: من منكم تذكر ذلك؟
طالعوا تشكيلاتكم. افتحوا كشوفات الحكومة ومجلس القيادة والهيئات والبعثات. ستجدون تمثيلا لكل الجغرافيا إلا التي تستضيفكم. ستجدون لكل محافظة من يدافع عن حصتها في طاولة القرار إلا التي تُدفع فواتير القرار من كهربائها ومائها وتضحيات أبنائها.
ليس هذا اتهاما. هذه واقعة موثقة. والواقعة توجع أكثر من الاتهام.
إن النقاش الدائر حول بعض الحقائب الوزارية لا يدور حول معيار الكفاءة والبرنامج. يدور حول "الاستحقاق". وحين تنتهي المقاعد يبقى سؤال واحد معلق ومشروع: وأين استحقاق العاصمة؟
أي منطق إداري هذا الذي يجعل المدينة التي ترفد الخزينة بالإيرادات السيادية تعاني في توفير أبسط الخدمات؟
أي صورة للدولة نريد أن نقدمها للعالم ونحن نطلب من عاصمتنا أن تستقبل الوفود وهي تبحث عن حلول للكهرباء والماء؟
أي بناء نبدأه بإضعاف واجهته؟
أبناء عدن لا يطلبون امتيازا على حساب أحد. يطلبون الإنصاف.
لا يطلبون مقعدا بديلا عن أحد. يطلبون مقعدا إلى جوار الجميع.
لا يطلبون إدارة كل مواردهم. يطلبون آلية شفافة تعيد جزءا منها لتنمية المدينة التي تحتضن مؤسسات الدولة.
إن خزان الكفاءات في عدن راسخ. قضاة ومحامون واقتصاديون وإداريون وأكاديميون قدموا خبراتهم للدولة عبر عقود. واليوم حين تُفتح أبواب التعيين نتساءل: لماذا لا يكون معيار الاختيار هو الكفاءة والخبرة أولا؟
وهنا مربط المظلومية. ليست في أزمة خدمية فقط. المظلومية الحقيقية أن تُحرم مدينة بحجم العاصمة من صوت مؤسسي فاعل يدافع عن قضاياها داخل غرف القرار.
أقولها بمسؤولية وطنية لا بمنطق الخصومة: استقرار عدن هو استقرار عمل الحكومة. وقوة العاصمة هي قوة للدولة أمام الداخل والخارج والمجتمع الدولي. والتاريخ يسجل لمن بنى المؤسسات لا لمن أدار الأزمات.
الحل واضح ومسؤول. جلوس على طاولة واحدة لإقرار تمثيل مؤسسي عادل لعدن، واعتماد آلية لعودة نسبة من إيراداتها لخدماتها، والاحتكام لمعيار الكفاءة في التعيين.
عندها فقط نكون قد بدأنا بترجمة شعار "الدولة للجميع" إلى فعل.
لا أخاطبكم كخصم. أخاطبكم كشريك في هم وطني. لأن نجاحكم هو نجاحنا جميعا.
عدن لم تشك يوما. عدن احتضنت. واليوم عدن تضعكم أمام اختبار تاريخي. فإن نجحتم فيه كتبتم أسماءكم في سجل المؤسسين. وإن تأخرتم فسيبقى السؤال: لماذا تأخرنا؟
والسلام على من يسمع ويعي.