أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:48 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​عندما يصبح راتب الجندي منحةً خارجية: لمن يكون الولاء؟

    د. جلال حاتم




    ​كشف خبر شكوى عدد من ضباط الكلية الحربية في عدن من حرمانهم من الرواتب المدفوعة بالريال السعودي عن قضية تتجاوز الظلم الوظيفي الذي تعرَّض له هؤلاء الضباط، لتلامس جوهر السيادة الوطنية وطبيعة المؤسسة العسكرية في اليمن. فالمشكلة ليست فقط في أن ضباطاً يمارسون مهامهم ويشاركون في تدريب الأجيال العسكرية الجديدة لم تُدرج أسماؤهم في كشوف المستحقين، بل في أن راتب العسكري اليمني نفسه بات يُعرَف باسم "الراتب السعودي".

    لا ينبغي فهم هذا الكلام بوصفه انتقاصاً من الدعم الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لليمن في ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي. فالدول قد تحتاج في الأزمات إلى مساعدات"أشقائها"، كما أن دعم الموازنة العامة وصرف رواتب الموظفين قد يسهمان في تخفيف المعاناة ومنع انهيار مؤسسات الدولة. لكن ثمة فارقاً كبيراً بين أن تقدم دولةٌ منحةً مالية إلى الخزانة اليمنية، فتتولى الحكومة صرف الرواتب وفقاً لقوانينها وكشوفاتها الرسمية، وبين أن ترتبط رواتب تشكيلات عسكرية أو أفراد وجهات يمنية مباشرةً بمموّلٍ خارجي.

    الخبر المنشور يثير أسئلة شديدة الحساسية: لماذا يضطر ضباط الكلية الحربية إلى مطالبة قيادة ألوية العمالقة بإدراجهم ضمن قوام القوات المشتركة؟ ولماذا تمر معالجة أوضاع مؤسسة وطنية عريقة عبر مالية تشكيل عسكري، لا عبر وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان؟ وكيف توجد، بحسب شكوى الضباط، أسماء تتقاضى رواتب تحت مسمى "الكلية العسكرية" مع أنها لا تداوم فيها، بينما يُحرم الضباط الفعليون من مستحقاتهم؟

    هذه ليست مجرد مشكلة رواتب؛ إنها صورة مصغرة لأزمة الدولة اليمنية كلها. فعندما يفقد الجيش وحدة التمويل والقيادة والإدارة، ويتوزع منتسبوه بين كشوف وممولين ومرجعيات متعددة، يصبح من الصعب الحديث عن مؤسسة عسكرية وطنية موحدة. ومن يدفع الراتب يكتسب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدراً من النفوذ في القرار والولاء؛ فالحاجة الاقتصادية قد تتحول تدريجياً إلى أداة للضبط السياسي والعسكري.

    إن استمرار هذا الوضع يرسخ الانقسام، ويحوّل المؤسسة العسكرية من ركيزة للدولة إلى شبكة قوات يرتبط كل منها بقائد أو جهة تمويل. وحينئذ يصبح الولاء للوطن والدولة موضع اختبار أمام الولاء لمن يملك قرار الراتب والتعيين والترقية.
    ومع ذلك، فإن الضباط المطالبين برواتبهم ليسوا موضع اتهام؛ فهم أصحاب حق وضحايا واقع فرضته الحرب وعجز السلطة. والمسؤولية الحقيقية تقع على الحكومة وقيادة الشرعية اللتين عجزتا عن حماية كرامة العسكري اليمني وضمان راتبه من خلال موازنة وطنية ونظام مالي موحد وشفاف.

    لذلك، فإننا نسأل: كيف قبل مجلس القيادة الرئاسي وحكومة الزنداني أن يصبح راتب ضابطها منحةً خارجية، وأن تتحول مطالبته بحق وظيفي إلى استجداء للإدراج في كشف؟ إن الدولة التي لا تدفع رواتب جيشها، ولا توحد قيادته وكشوفاته، لا تفقد جزءاً من سيادتها المالية فحسب، بل تخاطر أيضاً بفقدان القرار العسكري والولاء الوطني.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال