إن الحديث هنا عن فكرة لا عن شخص، وعن منهج لا عن فرد، وعن مبدأ عام يحكم الدول لا عن حالة خاصة. وما يراد في هذه الكلمات هو توصيف علمي وسياسي وقانوني لظاهرة "شخصنة الدولة" وما يترتب عليها، وهو اجتهاد في النقد البناء غايته الإصلاح لا الهدم، والبناء لا التخريب، وحماية الوطن لا النيل منه.
لقد أدركت الأمم أن قوة الدول لا تقاس بالأشخاص، وإنما بمدى تجذر مؤسساتها واستقلالها وسيادة القانون فيها. وحين تستبدل الشعوب "سيادة القانون" بـ "سيادة الأشخاص" فإنها تكون قد وقعت في أخطر أدواء الحكم. فتتحول الدولة من كيان مؤسسي تحكمه قواعد عامة مجردة إلى معبد تُدار شؤونه بإشارة، ويصبح الوطن رهينة لتقدير فرد، وتُبرر كل التجاوزات بذريعة المرحلة والضرورة والاستقرار. إن القاعدة الشرعية والقانونية والعقلية الحاكمة هنا واحدة: كل عمل سياسي أو إداري يُبنى على تقديس شخص أو وضعه فوق النقد والمحاسبة والقانون هو عمل محكوم بالفشل موضوعاً ونتيجة. فهو ساقط شرعاً لأن الأصل في الحكم هو الشورى والعدل ورد الأمر إلى الدستور والميثاق لا إلى الهوى، وساقط قانوناً لأن جوهر الدولة المدنية الحديثة قائم على مبدأ "لا أحد فوق القانون" وعلى التداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات، وساقط تجربةً لأن التاريخ الإنساني قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأنظمة التي تُدار بمنطق"البديل الوحيد" تنتهي حتماً إلى الفراغ المؤسسي والفوضى عند أي ظرف طارئ.
إن خطورة "الوثن السياسي" لا تكمن في الشخص بذاته، وإنما في المنظومة التي يفرزها. منظومة تقوم على معيار الولاء بدل الكفاءة، وعلى التصفيق بدل النقد، وعلى التبعية بدل المسؤولية. فيترتب على ذلك تجريف متعمد للكفاءات، وإضعاف ممنهج للمؤسسات، وتحويل أجهزة الدولة من أدوات لخدمة الصالح العام إلى أدوات لخدمة بقاء الوضع القائم. وحين يصبح النقد جريمة والسؤال تآمر والرأي المخالف خيانة، نكون قد انتقلنا عمليًا من منطق الدولة إلى منطق الحظيرة. والأخطر من ذلك كله أن هذا النموذج يفرغ الدولة من مضمونها. فتُختزل كل السلطات في يد واحدة، فيُصبح القضاء تابعاً، والتشريع صورياً، والإعلام بوقاً، والمؤسسة الأمنية والعسكرية حارسة لكرسي لا لحق. فإذا ما تغير الشخص - وهو أمر حتمي بقوانين الحياة - انهارت كل هذه الديكورات، واكتشف الناس أنهم لم يبنوا وطناً وإنما بنوا ظلاً. وعندها تبدأ الكارثة لأن الولاء لم يكن للوطن ولا للدستور بل لشخص.
إن رجل الدولة الحقيقي هو من يُدرك أن وظيفته هي بناء نظام ينجح في وجوده وغيابه على حد سواء. هو من يُؤسس لمؤسسات لا تهتز بتغير الأشخاص، وقضاء لا يتأثر بتغير الحكام، وإعلام حر، وجيش وطني يقسم على الدستور. أما من جمع السلطات وسمى ذلك حزماً وقوة، فهو في ميزان الدولة الحديثة يُعد أضعف الحكام لأنه حمل وزر أمة كاملة على كتفيه، وحين يسقط سيسقط معه ما بناه. إننا اليوم أمام مفترق طرق لا يقبل المساومة. إما أن نستمر في طريق تقديس الأشخاص فننتظر زلزالًا يمحو الأخضر واليابس، أو أن نعود فوراً وبشجاعة إلى أصل الفكرة: بناء الدولة. دولة المؤسسات. دولة القانون. دولة المحاسبة. دولة لا حصانة فيها لأحد ولا قداسة فيها لأحد ولا إعفاء فيها لأحد. ومن يقرأ هذه الكلمات فليعلم أن الغاية منها هي صون الوطن وحماية مؤسساته وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية. ومن يتهمها بغير ذلك فهو عملياً يدافع عن فكرة "فوقية الأشخاص" وهي فكرة مرفوضة شرعاً وعقلاً وقانوناً وتاريخًا.
الأوطان لا تُبنى بالأشخاص. الأوطان تُبنى بالمبادئ. والشعوب لا تنهض بالتقديس. الشعوب تنهض بالعقل والقانون. والتاريخ لا يرحم. سيسجل من حمى المؤسسات، ومن حمى الكرسي. انتهى زمن الأوثان. بدأ زمن الدول. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.