الاثنين, 31 أغسطس 2026
50
لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن: ماذا أنجز مجلس القيادة الرئاسي أو مجلس الوزراء؟ بل أصبح أكثر قسوة ومرارة: هل تعمل هذه المؤسسات أصلًا؟ وهل توجد لديها نية حقيقية لحل مشكلات البلاد، أو حتى للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات والكرامة الإنسانية، والحد من القهر والشعور بالظلم؟
هذا الانطباع لم يتولد من فراغ، ولا يمكن اختزاله في حملات إعلامية معارضة أو في تشاؤم شعبي عابر. لقد تشكّل عبر سنوات من الوعود المتكررة والنتائج الغائبة: كهرباء تنقطع، وغاز يتبخر، وعملة تتهاوى، ورواتب تتآكل أو تتأخر، وأسعار تتصاعد، ومؤسسات تتعطل، ومسؤولون يتنقلون بين الفنادق والعواصم والاجتماعات، وكشوف«إعاشة» تمنح «الراقدين» في عواصم العالم ملايين الدولارات شهريًا، ومجلس للنواب وآخر للشورى لا يعملان ولا ينتجان سوى برقيات تهانٍ وتعازٍ، بينما يبقى المواطن وحيدًا في مواجهة الجوع والمرض والظلام.
عندما يرى الناس مجلس قيادة متعدد الأعضاء، وحكومة تضم عشرات الوزراء، ثم لا يجدون جهة واحدة تعلن بوضوح: هذه المشكلة مسؤوليتي، وهذا برنامجي لحلها، وهذا موعد الإنجاز؛ فمن الطبيعي أن يعتقدوا أن وجود هذه المؤسسات كعدمها. فالسلطة لا تُقاس بعدد أعضائها ولا بألقابهم، بل بقدرتها على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
هل المشكلة أن هؤلاء مسلوبي الإرادة؟ قد يكون ذلك جزءًا من الحقيقة؛ فالقرار الوطني موزع بين قوى داخلية متنافسة، وحسابات إقليمية ودولية متشابكة. لكن الاعتراف بتقييد الإرادة لا يعفي المسؤول من واجبه. فمن يقبل منصبًا لا يملك صلاحياته، ولا يستطيع الوفاء بواجباته، يتحول ــ بإرادته أو من دونها ــ إلى غطاء للعجز، وشاهد صامت على معاناة المواطنين.
وهل هم فاقدو الأهلية والكفايات والخبرات؟ يصعب إصدار حكم شامل على الجميع، لكن الأداء العام يكشف خللًا عميقًا في اختيار القيادات، وإدارة الأولويات، وتنسيق السياسات، ومتابعة التنفيذ. قد يمتلك بعضهم المؤهلات والخبرات، غير أن الكفاءة التي لا تتحول إلى قرار وإنجاز تصبح مجرد سطر في سيرة ذاتية.
أما الاحتمال الأخطر، فهو أن تكون هذه المؤسسات قد استسلمت لفكرة أن دورها ليس صناعة القرار، بل أداء الأدوار المرسومة لها؛ وأن المطلوب منها إدارة الأزمة لا حلها، واحتواء الغضب لا إزالة أسبابه، وإصدار البيانات لا تقديم الخدمات. وعندها تصبح العبارة الساخرة: «المخرج يريدها هكذا» وصفًا لبنية سياسية كاملة؛ الممثلون ظاهرون على المسرح، لكن النص والتمويل والإضاءة وتوقيت الدخول والخروج تُدار من خلف الستار، ومن خارج الحدود.
ومع ذلك، لا يجوز تحويل التدخلات الخارجية إلى شماعة دائمة. فالارتهان لا يُسقط المسؤولية، والعجز لا يمنح الشرعية، والصمت لا يُعد حكمة. ومن لا يملك القرار عليه أن يقول ذلك للناس، ومن لا يستطيع أداء مهمته عليه أن ينسحب، ومن يملك بعض القدرة فعليه أن يبدأ بما هو ممكن، وأن يعلن للناس ماذا فعل، وأين تعثر، ومن عطّله.
إن استعادة الثقة لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى كهرباء مستقرة، ورواتب منتظمة، وشفافية في الموارد، ومحاسبة للفاسدين، ووجود فعلي للقيادات داخل البلاد. فالمواطن لا يطلب معجزات؛ إنه يريد دولة تشعر به، وسلطة تحترم آلامه، ومسؤولًا يخجل من فشله. أما استمرار المشهد على حاله، فلن يرسخ فقط الاعتقاد بأن هذه المؤسسات لا تعمل، بل سيقنع الناس بأن معاناتهم جزءٌ مقصود من السيناريو.