أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:29 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​وطنٌ لائق بكل اليمنيين

    د. نادر السقاف




    ​قبل أيام طرحت على صفحتي في الفيسبوك سؤالًا بسيطًا في صياغته، لكنه ذو شجون في معناه:  ما مفهوم المواطنة المتساوية بالنسبة لك شخصيًا، والذي تتمنى أن تراه يتحقق في اليمن؟.

    كنت أتوقع إجابات تتحدث عن الدستور والقانون والحقوق والواجبات، وقد جاءت بالفعل. لكن ما لفتني أكثر هو أن معظم المشاركين لم يتعاملوا مع المواطنة بوصفها مفهومًا سياسيًا أو قانونيًا مجردًا، بل بوصفها شيئًا يمس تفاصيل حياتهم اليومية. كأن سؤال المواطنة في اليمن لا يبدأ من الكتب، بل من باب المدرسة والمستشفى ومكتب الخدمة المدنية وقاعة المحكمة ونقطة التفتيش.

    أحد المشاركين اختصرها في أن تشعر بالأمان عندما تدخل مرفقًا حكوميًا، وأن تكون أنت وغيرك في مستوى واحد أمام الحق العام. وربما في هذا التعريف البسيط تكمن أزمة كاملة. فالمواطن لا يريد امتيازًا خاصًا، بل يريد فقط ألا تكون هناك مواطنة من الدرجة الأولى وأخرى من الثانية، وألا يصبح النفوذ طريقًا مختصرًا للحقوق.

    آخرون ربطوا المواطنة بالقدرة على الحصول على الحق دون الحاجة إلى واسطة قبيلة أو حزب أو مسؤول. وأن تكون الوظيفة والتعليم والخدمات متاحة بالكفاءة والاستحقاق، لا باسم العائلة أو المنطقة أو الجماعة. وتكررت في التعليقات كلمات تكاد تشكل قاموسًا يمنيًا للحلم بالدولة: القانون، الكرامة، الأمان، العدالة، تكافؤ الفرص، الحرية، والانتماء.

    وكان لافتًا أيضًا تكرار الرغبة في أن يصبح اليمني "مواطنًا" قبل أن يكون منتميًا إلى قبيلة أو مذهب أو منطقة أو حزب أو جماعة. ليس المقصود إلغاء هذه الهويات، فهي جزء من تكوين المجتمع وتنوعه، وإنما ألا تتحول إلى مفاتيح للحقوق أو ذرائع للإقصاء، وألا تصبح هوية الإنسان سببًا في منحه امتيازًا أو حرمانه من فرصة.

    أكثر من تعليق عبّر عن الفكرة بالسؤال نفسه تقريبًا: لماذا يجب أن يُسأل الإنسان في اليمن"من أنت؟ ومن يدعمك؟" قبل أن يحصل على حقه؟ ولماذا لا يكون السؤال ببساطة: ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع أن تقدم؟ وما الذي تستحقه وفق 
    القانون؟

    لكن أكثر الإجابات إيلامًا كانت تلك التي نقلت المواطنة من اللغة السياسية إلى مشهد الشارع. امرأة تحدثت عن طفل لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة، ومريض يبيع ما يملك طلبًا للعلاج، وخريج يحمل شهادته ولا يجد وظيفة لأنها تذهب إلى غيره بدون وجه حق، وعن أناس يكافحون حتى لتوفير أبسط متطلبات الحياة. هنا تصبح المواطنة المتساوية خبزًا ومدرسة ودواءً وفرصة عمل وأمانًا اجتماعيًا، لا مادة دستورية جميلة تُكتب ثم تُنسى.

    ومن التعليقات ما عبّر عن المواطنة باعتبارها مساواة أمام القانون، بحيث يقف المسؤول والمواطن والشيخ والعسكري والمدني أمام القضاء على المسافة نفسها. ومنها ما شدد على توزيع عادل للخدمات والتنمية، من صعدة إلى سقطرى ومن المهرة إلى الحديدة، بحيث لا يشعر إنسان أن محافظته أقل قيمة أو أن نصيبه من الدولة يتحدد بموقعه على الخريطة.

    وحتى السخرية حضرت. كتب أحدهم أن المواطنة موجودة في مكان آخر، أما في اليمن فقد نحتاج "ثلاثة ملايين سنة" حتى نصل إليها. خلف هذه المبالغة يأس مفهوم، لكنه يطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبحت المساواة في بلادنا حلمًا يبدو بعيدًا إلى هذا الحد؟.

    المواطنة المتساوية ليست أن أحصل أنا على حقي فقط، ولا أن تحصل جماعتي أو منطقتي أو حزبي على نصيب أكبر. هي أن أقبل لغيري ما أطالب به لنفسي: نفس الكرامة، ونفس القانون، ونفس الفرصة، ونفس الحق في أن يقول: هذا وطني.

    ورغم أن عدد المشاركين في هذا الاستطلاع كان محدودًا، فإن ما قالوه ليس برنامجًا سياسيًا متكاملًا، لكنه ربما أهم من ذلك. إنه صورة واضحة لما ينتظره اليمنيون من أي دولة قادمة.

    دولة لا تسأل المواطن عن اسمه قبل أن تمنحه حقه، ولا عن قبيلته قبل أن تنصفه، ولا عن مذهبه قبل أن تحميه، ولا عمّن يعرف قبل أن توظفه.

    وربما تبدأ المواطنة المتساوية من جملة شديدة البساطة:أن يكون اليمن وطنًا لائقًا بي، لأنه لائق بكل اليمنيين.

المزيد من مقالات (د. نادر السقاف)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال