أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:08 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • فقه الحياة

    علي محمد سيقلي




    ليس أصعب على الإنسان من أن يعيش في مجتمع يكثر فيه الحديث عن الفضيلة، بينما تقل فيه ممارستها، ويعلو فيه صوت الوعظ، بينما تخفت فيه لغة الرحمة، وتُرفع فيه الشعارات الدينية في كل مكان، لكن الإنسان قد يبحث طويلًا عمن يعامله بصدق وعدل وإنصاف.

    لقد اختصر الناس منذ زمن طويل معنى عظيمًا في عبارة بسيطة تقول: «الدين المعاملة». وسواء تعاملنا معها باعتبارها حكمة شائعة تلخص جوهر الأخلاق الإسلامية، فإن معناها يبقى أعمق من آلاف الخطب؛ لأن الدين الذي لا ينعكس في سلوك الإنسان مع الآخرين، يصبح مجرد كلمات جميلة لا أثر لها في الحياة.

    ما قيمة أن تحدث الناس عن الصدق وأنت تكذب عليهم؟

    وما قيمة أن تدعو إلى الرحمة وأنت تقسو على الضعفاء؟

    وما قيمة أن تكثر من الحديث عن حقوق الناس وأنت تسلبهم حقوقهم عند أول فرصة؟

    وما معنى التدين إذا كان الإنسان حسن الخلق أمام الناس، وسيئًا مع أهله وجيرانه وموظفيه ومن هم تحت سلطته؟

    فقه الحياة يبدأ من هنا.

    أن تفهم أن الناس ليسوا ملائكة، وأنك لست ملاكًا أيضًا. أن تعرف أن لكل إنسان لحظة ضعف، وأن الخطأ لا يجعل صاحبه عدواً، وأن الاختلاف لا يمنحك حق الإهانة، وأن القوة لا تعطيك رخصة للظلم.

    الحياة ليست ساحة محاكمة دائمة، ولا الناس مشاريع لإثبات أننا أكثر تدينًا منهم.

    نحن بحاجة إلى شيء من التوازن في كل شيء؛ في الحب والكراهية، في العتاب والتسامح، في القرب والابتعاد، وفي الحكم على الآخرين. فلا ترفع إنساناً إلى مرتبة الكمال ثم تنقلب عليه لأنه أخطأ، ولا تكره إنساناً إلى درجة تجعلك تنكر كل ما فيه من خير.

    التوازن هو أحد أجمل أشكال الحكمة.

    أن تحب دون أن تلغي عقلك، وأن تسامح دون أن تسمح بتكرار الإساءة، وأن تكون طيبًا دون أن تكون ساذجًا، وأن تكون قويًا دون أن تكون قاسيًا.

    لكن المؤلم في حياتنا أن بعض الناس جعلوا الدين وسيلة للوصاية على الآخرين، لا منهجًا لإصلاح أنفسهم. يتحدثون باسم الله، ويوزعون صكوك الصلاح والفساد، ويحاسبون الناس على نواياهم، وكأنهم يعرفون ما تخفيه الصدور.

    وهؤلاء ينسون أن التدين الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.

    فالإنسان الصالح يُعرف من أمانته، قبل كلماته.

    ويُعرف من رحمته، قبل مظهره.

    ويُعرف من عدله عندما يختلف معك، لا من ابتسامته عندما يحتاج إليك.

    كم من إنسان لا يتوقف عن الحديث عن الدين، لكنه يؤذي الناس بلسانه!

    وكم من إنسان يحرص على الظهور بمظهر الورع، لكنه لا يتردد في ظلم شريك أو موظف أو قريب!

    وفي المقابل، قد تجد إنساناً بسيطاً، قليل الكلام، لا يدعي المثالية، لكنه لا يكذب، ولا يخون، ولا يؤذي، ويقف إلى جانب الناس في أزماتهم دون انتظار مقابل.

    أي النموذجين أقرب إلى جوهر الدين؟

    إن المشكلة ليست في الدين، فالدين أسمى من أن يُختزل في سلوك بعض الناس، ولكن المشكلة في من يتعامل باسم الدين وهو بعيد عن أخلاقه وقيمه.

    الدين ليس بطاقة تعريف نرفعها أمام الناس، وليس مظهراً نتزين به، وليس سلاحاً نستخدمه لإسكات خصومنا.

    الدين الحقيقي يظهر عندما تكون قادراً على الظلم فلا تظلم، وقادراً على الإساءة فتترفع عنها، وقادراً على الخيانة فتحفظ الأمانة.

    يظهر عندما تختلف مع إنسان، فلا تكذب عليه ولا تشوهه.

    ويظهر عندما يكون خصمك ضعيفًا بين يديك، فلا تستغل ضعفه.

    ويظهر عندما لا يراك أحد، ثم تختار أن تفعل الشيء الصحيح.

    ذلك هو فقه الحياة الذي نحتاج إليه.

    أن نتعلم كيف نعيش مع بعضنا كبشر قبل أن نتصارع حول من هو الأفضل والأكثر صلاحاً. أن نعطي الناس مساحة للخطأ، وأن نمنحهم فرصة للاعتذار، وأن ندرك أن الكلمة الطيبة قد تصلح ما تعجز عنه آلاف المحاضرات.

    نحن لا نحتاج إلى مزيد من الناس الذين يتحدثون عن الأخلاق؛ نحتاج إلى من يمارسونها.

    لا نحتاج إلى من يخبرنا كل يوم بما يجب علينا فعله؛ نحتاج إلى من يكون قدوة فيما يقول.

    فالدين الذي يدخل القلب، يظهر على اليد فلا تمتد إلى ظلم، وعلى اللسان فلا ينطق بأذى، وعلى التعامل فلا يعرف الغش والخداع.

    وفي نهاية الأمر، لن يتذكر الناس كم خطبة ألقيت، ولا كم نصيحة قدمت، ولا كم مرة تحدثت عن الفضيلة.

    سيتذكرون شيئاً أبسط وأعمق:

    كيف عاملتهم؟

    هل كنت رحمة عندما احتاجوا إلى الرحمة؟

    هل كنت عادلاً عندما اختلفت مصالحك مع مصالحهم؟

    هل حفظت كرامتهم عندما كان بإمكانك أن تهينهم؟

    وهنا فقط يصبح للدين معنى حقيقي في الحياة.

    فالدين ليس أن نحسن الكلام عن الله، ثم نسيء إلى خلقه، بل أن يكون إيماننا سببًا يجعل الناس أكثر أمنًا وطمأنينة ونحن بينهم.

    تلك هي المعاملة التي تليق بالدين.

    أما المتاجرة بالدين، واستخدامه قناعًا للمصالح والخصومات والظلم، فأصحابها قد يتحدثون باسمه كثيرًا، لكنهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن جوهره.

    فليكن ديننا في أخلاقنا قبل ألسنتنا، وفي معاملتنا قبل شعاراتنا، وفي رحمتنا وعدلنا قبل أحكامنا على الآخرين.

    لأن أجمل فقه يمكن أن نتعلمه في هذه الحياة هو:

    أن تكون إنسانًا صالحًا مع الناس، لا مجرد شخصٍ يجيد الحديث عن الصلاح.

المزيد من مقالات (علي محمد سيقلي)

  • Phone:+967-02-255170

    صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
    كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

    Email: [email protected]

    ابق على اتصال