أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:18 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • أزمة في خدمات النقل في عدن..مواطنون بلا مواصلات وموظفون بلا رواتب

    سماح جميل




    تنساب في أزقة عدن وشوارعها اليوم حالة من الشلل التام التي لم تعد خافية على أحد، حيث تحولت حركة التنقل التي كانت تشكل شريان الحياة الرئيسي في المدينة إلى عبء ثقيل يهدد بفرض حظر تجوال غير معلن، صنعته الظروف المعيشية الخانقة.. وليست القرارات السياسية.

    فعندما تصل تكلفة الرحلة الواحدة من المعلا إلى الشيخ عثمان إلى 700 ريال، وتصل التنقلات الداخلية القريبة إلى 400 ريال، بدلا من 200 ريال ويترافق ذلك مع امتناع باصات نقل المواطنين بالرسوم السابقة وعدم تقديم الخدمة للمناطق البعيدة ( من التواهي إلى الشيخ ومن المعلا إلى الشيخ ) كنموذج لهذه المعاناة تتسبب في تجمع الأفراد وبينهم النساء والأطفال على الطرقات فيما تمتنع باصات النقل العمل على الخطوط الطويلة بسبب قلة الرسوم وعدم مراعاة أزمة الحصول على الغاز الباصات وكذا ارتفاع قيمة البترول والديزل.. 

    معاناة يعانيها المواطنين في الانتظار المرير والذي يمتد لساعتين واكثر تحت شمس حارقة لمجرد الظفر بمقعد في حافلة نقل، فإننا لا نتحدث هنا عن أزمة مواصلات عابرة بل عن تجسيد مكتمل الأركان لسياسة توسيع معاناة المواطنين لتضاف إلى مشكلات الكهرباء والماء والنظافة وعدم انتظام صرف الأجور والرواتب وارتفاعات في أسعار المواد الغذائية والدواء وسوء الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية..

     واختناقات ومشكلات وتحديات وصعوبات مختلفة تعيشها العاصمة عدن وسكانها ومواطنيها..!ونريد الإشارة هنا إلى ان الازمة القائمة في خدمات النقل لم يأتي من فراغ بل هو نتيجة مباشرة لتحول المشتقات النفطية من غاز وديزل وبترول إلى سلعة حصرية للأسواق السوداء، في ظل غياب تام للرقابة الحكومية وترك المواطن والسائق معاً فريسة لتجار الأزمات المستفيدون من غياب الرقابة والمتابعة من قبل الجهات الحكومية والمحلية على مستوى المحافظة والمديريات المسؤولة والمعنية بهذه المسؤوليات. 

    وتكمن الكارثة في أن آثار السوق السوداء المنتشرة في مختلف ما يمس حاجيات الناس لم تتوقف عند محطات الوقود، بل امتدت كأحجار الدومينو لتلتهم القوة الشرائية المتهالكة أساساً، إذ أصبحت رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص تستنزف بالكامل خلال أيام معدودة لمجرد تغطية أجور الذهاب والإياب إلى مقار أعمالهم. ونتيجة لهذا الواقع المؤلم شهدت المرافق الحكومية والمحلات التجارية حالة إرباك قسري شلت حركتها وهو ليس إضرابًا سياسيًا بل عصيان مدني اضطراري يمكنه أن يكبر ويتسع فرضته المعادلة المالية الصعبة، واتساع مشكلات ومعاناة المواطنين وأسرهم وأطفالهم ومرضاهم، وتبرز إحداها اليوم في تكلفة الوصول إلى العمل والتي اصبحت تتجاوز الأجر اليومي للموظف نفسه. 

    ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد انعكست هذه الأزمة فوراً على أسعار السلع الأساسية والخضار والفواكه والدواء و التي قفزت إلى مستويات قياسية.

    ورغم الاستقرار النسبي في أسعار صرف العملة إلا أن تكاليف نقل البضائع والمحاصيل الزراعية المرتفعة أضافت أعباء جديدة على كاهل المواطن ليزيد الانقطاع الطويل لشبكة الكهرباء من ضراوة هذه المعاناة، محولًا شمس عدن إلى كابوس يومي يعطل ما تبقى من نشاط تجاري وخدمي. 

    وما يضاعف خطورة هذا الوضع أن الحرمان الممنهج من الخدمات الأساسية والمرافق الحيوية كالمياه والكهرباء وتسهيل سبل الحياة اليومية يتجاوز مجرد الإهمال الإداري أو الفشل الإداري في الأداء والمسؤولية بل يتقاطع مع انتهاك المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، التي تكفل للمواطنين والمدنيين حماية أعيانهم المدنية وحقهم الأصيل في الحصول على الخدمات الحيوية والبقاء على قيد الحياة بكرامة دون تعريضهم لظروف معيشية قاسية تفرض عليهم شللًا تامًا. أمام هذا الانهيار لم يعد هناك مجال للاعتماد على الحلول الترقيعية أو الوقوف في موقف المتفرج بل إن السلطة المحلية والحكومة مطالبان اليوم بفرض معالجات حاسمة وفورية. 

    وتبدأ أولى هذه الخطوات بالإجراءات التنفيذية الحقيقية ومحاسبة كل من له علاقة بخلق هذه المشكلات أو السكوت عنها وتفكيك شبكات التلاعب بالمشتقات النفطية وأسعارها وبالغاز وأسعاره وضمان وصوله لتغطية حاجة المواطنين والأسر بالتوازي مع ذلك، يجب تحديد تسعيرة رسمية ومدروسة لخطوط النقل الداخلي (المعلا - الشيخ عثمان وغيرها) وتفعيل الدور الرقابي لشرطة السير لضبط المخالفين، مع ضرورة تشغيل خطوط نقل جماعي مدعومة تخفف الضغط عن الموظفين والطلاب. 

    كما يتطلب الوضع حلولًا عاجلة لاستقرار منظومة الكهرباء وتوفير الوقود لمحطاتها، وتفعيل لجان وزارة التجارة لمراقبة أسواق الخضار والسلع لضمان عدم استغلال أزمة النقل في احتكار القوت الضروري، والتزام الجهات المعنية بواجباتها القانونية والإنسانية تجاه حماية حياة المواطنين والمدنيين. إن مدينة عدن التي طالما تحملت الأزمات، تقف اليوم عند نقطة حسم فارقة فالصبر عندما يتجاوز قدرة الناس على تأمين قوت يومهم ومتطلبات حياتهم الأساسية والضرورية وصعوبات تكلفة الوصول الى أعمالهم والطلاب إلى مدارسهم وكلياتهم ، يتحول إلى شلل تام يهدد السلم والحياة الانسانية الشاملة، إن المبادرة بفرض المعالجات الجذرية الآن ليست مجرد مطلب حق الحياة الانسانية للمواطنين ، بل هي خيار الوجود الوحيد للحفاظ على ما تبقى من معالم الحياة في هذه المدينة.

المزيد من مقالات (سماح جميل)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال