تطرح المواجهات المتجددة في إثيوبيا سؤالًا يتجاوز خريطة التقدم والتراجع في تيغراي وأمهرة: هل تستطيع الدولة الفيدرالية معالجة خلافاتها السياسية والإقليمية قبل أن تنزلق إلى حرب واسعة جديدة؟
ازدادت حساسية السؤال بعد إعلان تحالف يضم سبع جماعات مسلحة من مناطق مختلفة، بينها أطراف كانت تقاتل بعضها بعضًا خلال حرب تيغراي. غير أن اجتماعها على معارضة الحكومة لا يعني اتفاقها على مستقبل البلاد؛ فما زالت بينها خلافات حول الأرض والسلطة وشكل الدولة، وقد تحدّ تلك الخلافات من قدرتها على العمل المشترك.
من المبكر الجزم بأن إثيوبيا تتجه نحو التفكك، لكن استمرارها موحدة على الخريطة لا يكفي للحكم على تماسكها الداخلي. فحين تتعدد الجبهات وتضعف الثقة بين المركز والأقاليم، تُستنزف الموارد التي تحتاجها الدولة للأمن والخدمات والتنمية. تستطيع القوات الحكومية استعادة مدينة أو حماية طريق، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها حسم الخلاف على توزيع السلطة والموارد. ويزيد تعثر مسار اتفاق بريتوريا، الذي أنهى حرب تيغراي عام 2022، صعوبة إقناع الأطراف بجدوى التسوية السياسية.
واقتصادياً، تعني عودة الحرب تحويل موارد إضافية من إعادة الإعمار والتعليم والبنية التحتية إلى الإنفاق العسكري، مع تعطّل الإنتاج المحلي والأسواق في مناطق القتال وارتفاع كلفة نقل السلع. وقد تُضعف المخاطر الأمنية ثقة المستثمرين وتزيد الضغط على الأسعار والمالية العامة، في وقت لم تتعافَ فيه البلاد كليًا من آثار الحرب السابقة. أما إقليميًا، فتعتمد تجارة إثيوبيا الخارجية اعتمادًا كبيرًا على ممر جيبوتي؛ ومن ثمّ فإن أي اضطراب يمتد إلى سلاسل الإمداد أو حركة النقل سيضر بإثيوبيا وجيبوتي معًا. غير أن اتساع المعارك في الشمال لا يعني تلقائيًا تعطل هذا الممر، وإنما يرفع كلفة المخاطر التي تتحسب لها الأسواق وشركات النقل.
وللأزمة بعد إقليمي لا يجوز إغفاله. فإلى جانب التوتر الإثيوبي الإريتري، دخل نظام البرهان في السودان دائرة الاتهامات؛ حيث اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي نظام البرهان في السودان بدعم الجماعات المناوئة لأديس أبابا.
في هذا المناخ، يبدو سعي قيادة البرهان إلى الضغط على أديس أبابا واضحًا من زاوية المصالح والصراع الدائر في السودان.
أما عربياً، فإن الأزمة تتصل باستقرار السودان، والعلاقات حول مياه النيل، وأمن البحر الأحمر. وقد تؤدي حرب إثيوبية أوسع إلى مزيد من النزوح والتنافس على الموارد والاهتمام الدبلوماسي. كما أن تزامن التوتر على الضفة الأفريقية مع التهديدات القائمة للملاحة قبالة اليمن قد يجعل التعاون الإقليمي أكثر صعوبة، من دون أن يعني أن القتال داخل إثيوبيا سيعطل السفن أو يغلق باب المندب تلقائيًا.
ولا يستبعد وجود صلة سببية - مباشرة أو غير مباشرة - مثبتة بين المواجهات الإثيوبية والحرب في شمال اليمن؛ فلكل منهما جذوره وأطرافه. لكن أزمات المنطقة قد تتفاعل بحكم المصالح والتنافس السياسي، حتى من وجود شبهة دعم "إيرانية" عبر دعم إيران لنظام "البرهان" في السودان.
إن تماسك إثيوبيا لا يُقاس فقط بما تحتفظ به حكومتها من أرض، بل بقدرتها على بناء تسوية مقبولة بين شعوبها وأقاليمها. كما أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن استقرار الدول المحيطة به. ولهذا تظل التهدئة، ووقف دعم الحروب بالوكالة، وإعادة فتح المسارات السياسية، مصلحة إثيوبية وسودانية وعربية في آن واحد.