جاء شاب مصاب بداء السكري إلى طبيب، بعد رحلة طويلة بين وصفات الطب الشعبي والأعشاب وتجارب العلاج التي لم تحقق له ما كان يرجوه. لم يكن يبحث عن تشخيص جديد، ولا عن نصيحة لتنظيم غذائه، بل جاء يحمل طلبًا بدا بسيطًا في عبارته، عميقًا في دلالته: "يا دكتور، أشتي منك دواء حبوب مؤقت، آخذه فترة وخلاص".
سأله الطبيب مستغربًا: "كيف مؤقت؟".
أجاب الشاب بثقة: "يعني آخذه فترة، وبعدها يتحسن السكر".
وحين أخبره الطبيب أن مثل هذا الدواء غير موجود لعلاج السكري نهائيًا، لم يستوعب الشاب الإجابة. كان يظن أن المشكلة في الطبيب، لا في حدود ما يستطيع الطب تقديمه.
هذه الحكاية، ببساطتها وعفويتها اليمنية، تكشف جانبًا من أزمتنا الأعمق: فنحن لا نبحث دائمًا عن الحقيقة بقدر ما نبحث عما يوافق رغباتنا، ولا نطلب الحلول الممكنة بقدر ما نتعلق بالحلول السحرية.
في حياتنا العامة، كما في صحتنا، نريد أحيانًا نتائج دون مقدمات، وتغييرًا دون مشاركة، ومستقبلًا أفضل دون مراجعة العادات والأفكار التي صنعت حاضرنا.
وكم يشبه هذا الشاب مجتمعاً أنهكته الأزمات، فأصبح ينتظر وصفة سريعة تنهي معاناته، أو شخصًا يمتلك عصا سحرية تعيد إليه الاستقرار والطمأنينة. لكن الأوطان، مثل الإنسان، لا تتعافى بالأمنيات وحدها، وإنما بالمعرفة والعمل والصبر والتعاون.
إن أول خطوة نحو التعافي هي الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. فالجهل بحقيقة المشكلة لا يجعلها تختفي، وإنكارها لا يخفف آثارها. وحين يمتلك الإنسان شجاعة السؤال، وتواضع الاستماع، واستعداد مراجعة قناعاته، يبدأ الطريق الحقيقي نحو التغيير.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعنا اليوم ليس نقص الحلول وحده، بل ضعف الثقة بالمعرفة، وانتشار الاعتقاد بأن الحقيقة يمكن امتلاكها دون بحث، وأن التجربة الشخصية تغني عن الخبرة المتخصصة. وهنا تصبح مسؤولية التعليم والإعلام والمؤسسات الصحية أوسع من تقديم المعلومات؛ إنها مسؤولية بناء عقل قادر على التمييز والتفكير واتخاذ القرار.
ولا يعني احترام العلم إلغاء القيم الروحية والأخلاقية، بل إن الإنسان يحتاج إليهما معًا: معرفة ترشده إلى الممكن، وضميرًا يدفعه إلى الخير، وأملًا يمنحه القدرة على الاستمرار. فالعلم دون مسؤولية قد يفقد وجهته الإنسانية، والأمل دون عمل قد يتحول إلى انتظار لا ينتهي.
وفي اليمن، حيث أثقلت سنوات الصراع كاهل الناس، تبدو الحاجة ملحة إلى ثقافة جديدة تجعل خدمة الآخرين أساسًا للعلاقات، والتعاون بديلًا عن التنازع، والبحث عن الحقيقة أسمى من الدفاع الأعمى عن المواقف الموروثة.
فلا أحد يمتلك وحده علاج أوجاع المجتمع، ولا يمكن لفئة أن تحقق سلامًا حقيقيًا بمعزل عن بقية الناس. نحن مرتبطون بمصير مشترك، وما يصيب أحدنا من جهل أو فقر أو مرض أو حرمان يترك أثره في حياة الجميع.
وليس المطلوب أن نتخلى عن أحلامنا الكبيرة، بل أن نربطها بخطوات صغيرة قابلة للتحقق؛ أن نثق بالمعرفة، ونربي أبناءنا على التساؤل، ونتعلم الإصغاء لبعضنا، ونحول التعاطف إلى مبادرات تخفف معاناة الناس.
لقد كان الطبيب صادقاً حين قال للشاب إنه لا يمتلك الدواء الذي يطلبه. وربما تكون هذه الصراحة، رغم قسوتها، بداية علاج من نوع آخر: علاج الوهم الذي يجعلنا نضيع فرص التحسن ونحن ننتظر المستحيل.
فليس كل شفاء اختفاءً للمرض، كما أن تعافي الأوطان لا يعني اختفاء تحدياتها، بل امتلاك القدرة على مواجهتها بحكمة وعدل وتضامن.
وربما يبدأ مستقبل اليمن الأفضل يوم نتوقف عن البحث عن الحبة السحرية، ونؤمن بأن التغيير الحقيقي ليس شيئًا نتلقاه من الآخرين، بل مسؤولية نبنيها معًا، يومًا بعد يوم.