أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 06:46 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​في سويسرا يفقد المسؤول الشغف بالسلطة..وفي اليمن يقاتل لأجلها حتى يموت

    ذكرى عراسي




    ​أعلن غي بارمولان مغادرته الحكومة الفدرالية السويسرية في نهاية ديسمبر المقبل، بعد 11 عامًا من العمل عضوًا في الحكومة الفدرالية.

    وللتوضيح حتى لا يلتبس الأمر: هذه ليست 11 سنة في رئاسة سويسرا. فالرئاسة الفدرالية تتناوب سنويًا بين أعضاء المجلس الفدرالي السبعة.

    أما بارمولان، فقد اختار عدم الاستمرار، موضحًا أن شغفه بالعمل لم يعد كما كان، وأن الوقت حان لإفساح المجال أمام وجوه جديدة.
    ببساطة شديدة:
    الرجل لم يقل: سأبقى حتى أُدفن في هذا الكرسي.
    قال: لم يعد شغفي كما كان.. فلأفسح المجال لغيري.
    وهنا تبدأ المقارنة اليمنية المؤلمة.
    في اليمن، لم تكن المشكلة يومًا في قلة الطامحين إلى الحكم، بل في قلة الذين يعرفون متى يرحلون.
    علي عبدالله صالح لم يتعامل مع السلطة باعتبارها مرحلة تنتهي، بل سعى إلى التمهيد لتوريثها لنجله أحمد.

    ثم جاءت ثورة الشباب عام 2011، وكان شعارها إسقاط نظام صالح وإنهاء الاستبداد والفساد.
    وكانت توكل كرمان، القيادية في حزب الإصلاح، من أبرز وجوه المشهد.

    لكن السنوات التالية جعلتني أطرح سؤالًا لا يزال يؤرقني:
    هل كانت المعركة ضد احتكار السلطة فعلًا، أم ضد احتكار شخص واحد لها؟.
    من وجهة نظري، كشفت الأحداث أن جزءًا من الصراع اليمني لم يكن حول بناء دولة مختلفة بقدر ما كان حول من يملك مفاتيح الدولة ومن يجلس على كرسيها.

    ولهذا أرى أن حزب صالح وحزب الإصلاح، رغم اختلاف الشعارات والمواقع، التقيا في شيء مؤلم:
    عشق السلطة والنفوذ والمال.
    اختلفوا على صاحب الكرسي، لكنهم لم يختلفوا بما يكفي على قدسية الكرسي نفسه.

    أما الرئيس والأب والقائد والوفي لوطنه بالفعل، عبدربه منصور هادي، رحمه الله، فقد كان الأمر مختلفًا.
    قد نختلف حول أدائه أو حول مرحلة حكمه، لكنني أرى أن موقفه عند مغادرة السلطة يستحق الاحترام.

    ففي أبريل 2022، نقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، وغادر السلطة دون أن يحوّل خروجه إلى معركة شخصية جديدة يدفع اليمنيون ثمنها.
    ترك الكرسي.

    وهذه وحدها، في بلد أنهكته صراعات الكراسي، ليست مسألة صغيرة.

    ثم بدأت المفارقة اليمنية من جديد: ثمانية أشخاص في مجلس القيادة، والبلد ينتظر منهم إنقاذ الدولة، بينما يبدو أن السؤال الذي يلاحق المشهد هو:
    من سيكون الرئيس؟
    يا جماعة الخير..
    الوطن لا ينقصه كرسي جديد.
    الوطن ينقصه دولة.

    وسويسرا بالنسبة لي ليست بلدًا أستشهد به من بعيد؛ إنها بلد عشت فيه ثلاثين عامًا من حياتي، ولذلك حين أتحدث عن قيمها السياسية فأنا لا أتحدث عن صورة في كتاب، بل عن تجربة حياة.

    وهنا رأيت الفارق بين سلطة تُعامل باعتبارها مسؤولية مؤقتة، وسلطة تتحول إلى غاية بحد ذاتها.
    في سويسرا، المسؤول يعرف أن المنصب مهمة وليس ملكية، وأن مغادرته لا تعني سقوط الدولة.

    وفي اليمن، ما زلنا نرى من يتعامل مع الكرسي وكأنه آخر ما تبقى له في الحياة.
    في سويسرا، قد يفقد المسؤول الشغف بالسلطة فيقول:
    حان وقت الرحيل.
    وفي اليمن، قد يفقد الوطن صبره.. بينما المسؤول لا يزال يقاتل من أجل البقاء.
    وهنا الفرق بين من يخدم الدولة..ومن يريد الدولة أن تخدمه.
    الدولة لا تُورَّث.
    والكرسي ليس ملكية شخصية.
    والوطن ليس جائزة لمن ينتصر في معركة السلطة.
    ومن لا يعرف متى يرحل عن الكرسي، قد يترك وطنًا كاملًا يدفع ثمن بقائه.
    ويبقى الأثر.

المزيد من مقالات (ذكرى عراسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال